نصر حامد أبو زيد
239
الاتجاه العقلي في التفسير
عنده ، فنفي كونه من عنده ، على كل حال ، يدل على ما قلناه . وبعد ، فإن ما قالوه قد دل عليه قوله وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ فيجب أن يكون المراد بالنفي الثاني غيره وسواه » 318 وأيّا كان الأمر ، فالذي لا شك فيه أن القاضي يظلّ بعيدا عن جو الآية رغم محاولاته المستميتة للاستدلال بها على ما يريد . وتبرأ اللّه من المشركين في قوله تعالى : أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ ( التوبة / 3 ) يدل - عند المعتزلة - على تعلق الشرك بفاعله ومسئوليته عنه « لأنه لا يجوز أن يتبرأ منهم لأجل شركهم إلّا وهم فاعلون له » 319 . ولا يسلم الأشاعرة بهذا الدليل ، ويقيمون اعتراضهم على هذا الاستدلال - من جانب المعتزلة - على أن سبب نزول الآية لا يتفق مع هذا التخريج ، فالآية ، « إنما نزلت في العهود التي كانت بين المشركين وبين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، لأن اللّه تعالى قال بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكافِرِينَ ( التوبة / 1 - 2 ) فأحلّهم اللّه أربعة أشهر ثم قال وَأَذانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ يقول واعلام من اللّه ورسوله إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ يعني من العهود التي كانت بين رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وبينهم إذا انقضت الأربعة الأشهر . ثم استثنى قوما من المشركين يقال إنهم من بني كنانة فقال إِلَّا الَّذِينَ عاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ فَمَا اسْتَقامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إلى انقضاء مدتهم . على أن اللّه تعالى ذكر المشركين ولم يقل ( من شركهم ) ولو كان قوله « بريء من المشركين » يدل على أنه لم يخلق شركهم لدلّ على أنه لم يخلقهم لأنه تعالى بريء من المشركين ومن شركهم . ولو كان قوله « بريء من المشركين » يوجب أنه ما خلق شركهم للزم القدرية إذ قال إنه وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ فقد خلق ايمانهم . فلمّا لم يكن هذا عندهم هكذا بطل ما قالوه » 320 . وننتهي من هذا كله إلى ما سبق أن قررناه من أن المجاز صار سلاحا للتأويل لرفع التناقض بين نصوص القرآن من جهة ، وبينها وبين أدلّة العقل من جهة أخرى . ولم يفلح المعتزلة دائما في رفع هذا التناقض وذلك لمحاولتهم - في أغلب الأحيان - لي عنق النص القرآني واخراجه عن سياقه وذلك ليتحول إلى دلالة عقلية نظرية .