نصر حامد أبو زيد

228

الاتجاه العقلي في التفسير

السلام يقدر الطين صورة والخلق يقدرون الصورة صورة لا أنهم يخرجون الصورة من العدم إلى الوجود » 274 وعلينا أن نلاحظ أن سعي الباقلاني لنفي الايجاد من العدم في تأويل هذه الآية ، يتسق مع ما سبق أن أشرنا اليه من أن الأشاعرة عموما ينسبون خلق الفعل الانساني إلى اللّه ، وينسبون اكتسابه إلى العبد . ولقد سبق أن أشرنا - أيضا - إلى ما ذهب إليه الباقلاني خاصة من أن الانسان هو الذي يحوّل فعل اللّه - كالحركة مثلا - إلى طاعة أو إلى معصية . ومعنى ذلك كله أن الانسان لا يخلق فعله من عدم ، وإنما هو يكتسب فحسب . ولذلك كله يحاول الباقلاني تأويل الآية التي استشهد بها القاضي عبد الجبار ، والتي نسبت إلى عيسى عليه السلام خلق صورة من الطين . ويذهب الباقلاني إلى أن عيسى لم يخلق الصورة ، أي لم يوجدها من عدم ، وإنما هو فقط قدرها على مثال سابق معروف هو هيئة الطير التي هي من خلق اللّه . والذي لم يلاحظه الباقلاني أن المعتزلة يستدلون بهذه الآيات على جواز التسمية فحسب ، دون أن يذهبوا إلى أن الانسان خالق ، بمعنى الايجاد من العدم . وإذا كانت الآية السابقة لم تحتج من الباقلاني إلى جهد كبير ، فإن قوله تعالى : فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ يحتاج إلى أكثر من وجه للتأويل ، أحدهما « أن اللّه تعالى هو الخالق لا خالق سواه . لكن لمّا ذكر معه غيره قال ( أحسن الخالقين ) وإن كان هو الخالق على الحقيقة دون غيره كما يقال عدل العمرين وإنما هما أبو بكر وعمر ، لكن لمّا جمع بينهما سماهما باسم واحد . وكذلك قول الفرزدق : أخذنا بأكناف السماء عليكم * لنا قمراها والنجوم الطوالع والقمر واحد لكن لمّا جمعه مع الشمس سماهما قمرين ، وكأنه تعالى لمّا علم من الكفار ومنكم أن تجعلوا معه غيره خالقا قال فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ على زعمهم أن معه خالقا غيره . وهذا كقوله تعالى وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ على زعمكم لأن عنده أن النشأة أهون من الإعادة فذكر ذلك على سبيل الرد عليهم والانكار لقولهم أن معه خالقا غيره ، لا أنه أثبت معه خالقا غيره . جواب آخر : وذلك أن لفظة أفعل في كلام العرب قد يراد بها اثبات الحكم لأحد المذكورين وسلبه عن الآخر من كل وجه وذلك في قوله تعالى : أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا فأثبت حسن المقيل لأهل الجنة مع حسن المستقر وسلب ذلك عن أهل النار أصلا ورأسا لأن أهل النار ليس لهم حسن مستقر ولا حسن مقيل فكذلك قوله تعالى : أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أثبت الخلق له ، وأنه المنفرد به دون غيره . وكذلك يقول القائل : العسل أحلى من الخل ، لا يريد أن