نصر حامد أبو زيد

218

الاتجاه العقلي في التفسير

فعل العالم منا . وهذا يستحيل ، لأنه متى كان عالما بفعله ، فلا بدّ من أن يعلمه على وجه ، لكونه عليه له فعله ، ولا يستحق به الذم ، أو على وجه لكونه عليه ليس له فعله ، ويصح أن يستحق به الذم . فإذا صحّ أنه لا يخلو مما ذكرناه ، فلو قبح منه ما يقبح من العبد ، وصح مع ذلك أن يخلقه ، لم نأمن أن يخلق سائر القبائح منفردا بها فيكذب في أخباره ، ويأمر بالقبيح ، وينهى عن الحسن ، ولا يفي بشيء من وعده ووعيده ، ويعذب الأنبياء ، ويثيب الفراعنة ، ويتفرّد بكل ظلم ، لأنه إذا جاز أن يفعل القبائح مع قبحها منه ، لم يؤمن من كل ما ذكرناه » 244 . وإذا كان اثبات الانسان فاعلا لفعله مقدمة لا بدّ منها لاثبات فاعل في الغائب قادر على ما لا نقدر عليه من الأجسام والأعراض ، وإذا كانت نسبة أفعال الانسان للّه تؤدي إلى كل ما سبق من تقويض للنظام الاجتماعي ، إلى اهدار لقانون السببية ، إلى فساد للشرع والدين ، إذا كان هذا القول يؤدي إلى كل ذلك ، فمن الطبيعي أن تكون معرفته ضرورية لا تنبني على السمع . بل يذهب المعتزلة إلى القول بأن صحة السمع تنبني على معرفة تعلق فعل الانسان به . . ومن ثم « لا يسأل إلى اثبات القديم سبحانه ، واثبات أحواله ، إلّا بعد العلم بأن تصرف زيد هو فعله ، وأنه يدل على كونه قادرا عالما . ومتى لم يحصل للمستدل هذا الاعتبار من حال الشاهد ، لم يمكنه معرفة القديم تعالى » 245 . وإذا كان اثبات اللّه بصفاته نتيجة تنبني على أن الانسان فاعل ، وصحة السمع تنبني على معرفة اللّه بتوحيده وعدله ، فإن اثبات الانسان فاعلا حرا مختارا هو المقدمة الأولى لاثبات السمع والاستدلال به « لأن من لا يعلم صدقه في قوله إلّا بوصفه نفسه بأنه صادق ، لم يعلم صادقا . لأنه يجوز عليه الكذب في قوله : إني صادق . ولا وجه يؤمن كذبه في هذا الخبر المخصوص إلّا ما يقوله مما يوجب القبائح عنه . ولا يمكنهم التعلق في ذلك بقول الرسول ، لأنا قد ألزمناهم أن يظهر تعالى المعجز على كذاب أو صادق بعينه ليضل العباد ، فكيف يوثق بقول من هذا حاله ؟ ولا يمكنهم التعلق في ذلك بالاجماع ، لأن صحة الاجماع تتبع صحة الكتاب والسنة ، فكيف يصح تصحيحهما به وهو فرع عليهما ، أو على أحدهما ؟ ولا يصح لهم أن يقولوا : إن الكذب لا يقع إلّا من محتاج أو جاهل أو منقوص أو محدث لأن ذلك إنما يصح بمثل الطريق الذي يوجب أن الظلم لا يقع إلّا من هذا وصفه . فإذا جوّزوا فعل القبائح منه تعالى ، وإن كان عالما غنيا ، فكذلك يلزمهم في الكذب » 246 .