نصر حامد أبو زيد

216

الاتجاه العقلي في التفسير

المحسن ، أي أن يحقق وعده للمؤمن ، ووعيده للكافر . ولكي تتحقق هذه العدالة لا بدّ من أن يكون الانسان حرا مختارا في فعله ومسؤولا عنه ، ومن ثم يستحق الثواب أو العقاب . وعلى العكس من ذلك فإن نفي قدرة الانسان على الفعل يستلزم بالضرورة عدم استحقاقه للثواب أو العقاب . وهذا بدوره يؤدي إلى أن تعذيب اللّه للمخطئ ظلم ما دام الانسان غير مختار للخطأ الذي وقع فيه . ومعنى ذلك أن الحرية الانسانية والعدالة الإلهية وجهان لعملة واحدة ، ونفي أولاهما يستلزم بالضرورة نفي الأخرى ويؤدي إلى عبثية الوجود الانساني والفعل الإلهي معا . غير أن قضية خلق الأفعال تتصل من جانب آخر بأصل المعتزلة الأول وهو التوحيد ، ذلك أن اثبات فاعل قادر في الشاهد يعدّ مقدمة ضرورية ينبني عليها اثبات فاعل قادر في الغائب لأنه « لو كان تعالى هو الخالق والمحدث لأفعال العباد ، لأدّى هذا الاعتقاد إلى أن لا يعرف القديم أصلا ، لأن طريق معرفته هو الاستدلال بفعله عليه . فإذا لم يثبت هذا القائل ، في الشاهد ، حاجة المحدث إلى محدث ، لم يمكنه حمل الغائب عليه فلا يمكنه أن يستدل على حاجة المحدثات التي يتعذّر وقوعها من جهتنا على أن لها محدثا ، فقد صح أن ذلك يمنع من معرفة القديم أصلا . فكيف يقال : إنه الخالق لأفعالهم ، وكيف يصح اعتقاد فرع يؤدي إلى هدم أصله ؟ 239 . وإذا كانت هذه القضية أساسية لكل من أصلي العدل والتوحيد ، فهي على نفس الدرجة من الأهمية ، بالنسبة لباقي أصول الفكر الاعتزالي ، وهي « المنزلة بين المنزلتين » و « الوعد والوعيد » و « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » . فالقول بالمنزلة بين المنزلتين - حكما على مرتكب الكبيرة - يفترض - سلفا - مسؤولية الانسان عن فعله وحريته في اختياره . ومبدأ « الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر » يهدف إلى التأثير في تغيير السلوك الانساني عن طريق الاقناع ، وهو مبدأ يستند بالضرورة إلى امكانية التعديل في سلوك الانسان ، وهي امكانية تتم بناء على رغبة الانسان ، أي أنها تتم بناء على اختياره وحريته . ولو لم يكن الأمر كذلك لكان « المقدم على المنكر لا يتهيأ له مفارقته ، لأنه مخلوق فيه ، ولا التارك للمعروف يمكنه ايجاده ، لأنه قد خلق فيه تركه . فيجب أن لا يكون للتعبد بهما ( الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) معنى ، وأن لا يكون بين أمر المقدم على المنكر بالمنكر وبين نهيه عنه فصل » 240 . وإذا كان مبدأ « الوعد والوعيد » ينصب أساسا على الفعل الإلهي ، فإنه - طبقا لمبدأ العدالة الإلهية - لا ينفصل عن السلوك الانساني في تطبيقه ، فالوعيد