نصر حامد أبو زيد
207
الاتجاه العقلي في التفسير
الحقيقة ، ولا ينظر به في الحقيقة ، فيجب متى حمل الكلام عليه أن يكون مجازا يحتاج الحامل له عليه إلى دليل » 213 وإذن فالوجه لا ينظر في الحقيقة ولا ينظر به لأنه ليس بآلة للنظر ، ومن ثمّ فالوجه هنا مجاز يدل على الجملة التي هي الانسان « ومما يبين ذلك أيضا أنه تعالى قال : إِلى رَبِّها ناظِرَةٌ وقد علمنا أنه لم يرد بقولها « ربها » المالك ، لأنه لا يكون لأهل الجنة في ذلك اختصاص ، بل لا يكون للحي فيه اختصاص لكونه تعالى مالكا لجميع الأشياء ، ومقتدرا على تصريفه ، فعلم أن المراد بقوله إلى ربها ما يخصّ الانسان الذي هو مستحق لعبادته الثواب والتعظيم والتبجيل ، وذلك يوجب منع حمله على أن المراد بالوجوه العضو ، ويوجب أن المراد به جملة الانسان » 214 ويقوم تأويل أن المراد بالوجوه جملة الانسان على أن الضمير « الهاء » في « ربها » لا يجوز أن يعود للوجوه ، لأن اللّه تعالى لا يملك الوجوه وحدها . وإذا كانت الآية واردة في شأن أهل الجنة فإضافة الضمير إلى « الرب » يقتضي تكريما لأهل الجنة واختصاصا يحول دون عودة الضمير إلى الوجوه ويؤكد عودتها إلى الجملة . وعلى ذلك يكون تأويل الوجوه على أن المراد بها الجملة مشروعا . وبذلك يكون هذا القول من اللّه تعالى قد جرى « على منهاج ما ذكره في قوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ باسِرَةٌ ، تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِها فاقِرَةٌ فذكر الوجوه وأراد جملة الانسان وقوله : وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ ناعِمَةٌ لِسَعْيِها راضِيَةٌ فكما أن تعليق الظن بالوجوه يقتضي أن المراد به جملة الانسان ، لأنه الظان دون الوجه ، فكذلك وصف الوجوه بأنها ناظرة يدل على ذلك ، لأن الناظر هو صاحب الوجه دونه . وقد صحّ استعمال الوجه في اللغة على هذه الطريقة : فلذلك يقول القائل : هذا وجه الرأي ، ووجه الطريق ، ويريد به : نفس الرأي ، ونفس الطريق . وعلى هذا حمل جماعة المسلمين قوله سبحانه : وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ و كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ . ولا يبعد أن تكون الجملة وصفت بذلك ، لأن بالوجه تتميز الجملة عن غيرها ، فلما كان التمييز والمعرفة تقع به ، وصفت الجملة بهذه الصفة » 215 . وإذا كانت الرؤية غير النظر ، وإذا كان تعلّق النظر بالوجوه مجازا ، لأن المقصود بالوجه جملة الانسان ، فإذا وصف الانسان بأنه ناظر دون أن يقيد ذلك بالعين أو القلب ، جاز للنظر في هذه الحالة أن يحتمل الانتظار . ولكن خصوم المعتزلة قد يوردون هنا اعتراضا فحواه أن حمل الوجوه على أن المراد بها جملة الانسان مجاز ، وحمل النظر على أن المراد به الانتظار مجاز أيضا وبذلك يكون في الآية مجازان وتأويلان « ولأن يحمل الكلام على الوجه الذي هو حقيقة في بعض الوجوه فهو أولى من حمله على ما هو مجاز من كل وجه » 216 . وهذا الاعتراض