نصر حامد أبو زيد
201
الاتجاه العقلي في التفسير
غيره كاهتمامه إذا كان سائلا لنفسه » 200 . ويورد المعتزلة على أنفسهم سؤالا آخر ، أو ربما أورد هذا السؤال خصومهم ، فحواه : إذا كان موسى لم يسأل الرؤية لنفسه ، بل سألها لقومه على طريقة التشفع ، فلما ذا تاب عن هذا السؤال ، والتوبة لا تصح إلّا من فعل نفسه ؟ وتكون الإجابة أن موسى تاب عن ذلك ، لأنه سأل اللّه بحضرة القوم من غير إذن ، ولا يجوز من الأنبياء أن يسألوا اللّه تعالى بحضرة الأمة من غير إذن سمعي ، لأنه لا يمتنع أن يكون الصلاح أن يجابوا ، فيكون ذلك تنفيرا عن قبول الأمة » 201 . ولعل في كل ما أوردناه في قصة موسى من حوار بين المعتزلة وخصومهم ما يبين تنازعهم في الاستدلال بهذه القصة كل لصالح وجهة نظره . فالمعتزلة في بادئ الأمر أنكروا أن يكون موسى عليه السلام طلب الرؤية ، حتى اضطر أبو الهذيل العلاف وأبو علي الجبائي إلى تأويل النظر في قوله رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ بأنه المعرفة . ولم يسلم القاضي عبد الجبار بهذا التأويل من مشايخه ، ربما لأن قول اللّه لَنْ تَرانِي إجابة لهذا الطلب ، يؤكد أن موسى طلب الرؤية ، ومن ثم أخذ الآية على ظاهرها بناء على أن « النظر » إذا عدي بحرف الجر « إلى » لم يحتمل إلّا الرؤية . ومعنى ذلك - كما أسلفنا - أن الآية كانت تمثل لدى المعتزلة متشابها يحتاج للتأويل . ولكن القاضي عبد الجبار حوّلها إلى محكم يستدل به المعتزلة على عدم جواز الرؤية على اللّه عز وجل . واضطرهم ذلك إلى الرد على الاعتراضات الأخرى حول نسبة سؤال موسى إلى نفسه لا إلى قومه ، وحول تبرير توبة موسى من هذا السؤال . . الخ كل ذلك . وإذا كان القاضي عبد الجبار قد رفض تأويل مشايخه للآية على أساس أن موسى قد طلب رؤية اللّه حقا ، ونفى في نفس الوقت أن يكون قد طلب الرؤية لنفسه ، بل دفعه قومه إلى هذا الطلب ، فطلبه لقومه ونسبه لنفسه على طريقة التشفع ، وبذلك نقل الآية من أن تكون دليلا للخصوم وجعلها دليلا للمعتزلة عليهم . إذا كان القاضي عبد الجبار قد فعل ذلك ، فإن جار اللّه الزمخشري لم يسلك هذا المسلك ، بل قبل التأويلين معا دون أن ينصر أحدهما على الآخر . ولعل هذا المسلك من الزمخشري يفسّره أنه ليس متكلما بقدر ما هو مفسّر يجمع آراء المعتزلة في تفسير الرؤية دون أن يناقش هذه الآراء ، وذلك على عكس القاضي عبد الجبار الذي هو متكلم في المقام الأول يعنيه رفع التناقض فيما يراه من آراء مشايخه وذلك في وجه الاعتراضات التي وردت - أو يمكن أن ترد - على آراء هؤلاء المشايخ 202 .