نصر حامد أبو زيد
20
الاتجاه العقلي في التفسير
وعقبة بن عامر الجهني وأقرانهم » 30 . لكن هذا التعارض الظاهري بين « العدل » و « التوحيد » لم يكن قائما في ذهن مؤسسيه الأوائل ، على أساس أن الواقع الاجتماعي والسياسي الذي حاول تبرير قبحه برفع مقولة « الجبر » كان ، بالتالي ، ينسب كل مظاهر الظلم والشر إلى الإرادة الإلهية باعتبارها هي الإرادة النافذة . وثمة حادثة لها دلالتها في هذا الصدد بصرف النظر عن الصدق الحرفي لوقائعها . وليس من قبيل الصدفة ان تقع هذه الواقعة في عهد عبد الملك بن مروان أيضا ، إذ يروى أنه لمّا قتل عمرو بن سعيد « أمر برمي رأسه إلى جمهور المخلصين له الذين كانوا ينتظرون أمام القصر عودته ، كما أمر باعلامهم أن « أمير المؤمنين قد قتل صاحبكم بما كان من القضاء السابق والأمر النافذ » 31 ومعنى ذلك أن كل مظالم بني أمية كانت تنسب - تحت مقولة الجبر - إلى الإرادة الإلهية . وكان على الذين يحملون لواء المعارضة ، بعد أن أعلنوا مقولة « الاختيار » ضد « الجبر » أن ينفوا عن اللّه إرادة الظلم والقتل والعسف . هذا النفي كان من شأنه أن يؤدي إلى التفرقة بين الصفة الانسانية والصفة الإلهية ، وإلى نفي مشابهة اللّه للبشر ذاتا وفعلا ، ما دام البشر - بإرادتهم المختارة - هم الذين يفعلون الشر . ومن المؤسف أن أقوال هؤلاء المفكرين الأوائل في حرية الإرادة والتوحيد لم تصلنا مفصلة باستثناء إنكار الجعد بن درهم أن يكون اللّه متكلّما وقوله بخلق القرآن ، وهما القولان اللذان تجعلهما المصادر سببا لذبحه . أمّا غيلان الدمشقي فقد ذهب إلى جانب قوله « بالقدر خيره وشره من العبد في الإمامة أنها تصلح في غير قريش وكل من كان قائما بالكتاب والسنة كان مستحقا لها ، وأنها لا تثبت إلّا بإجماع الأمّة » 32 وهو قول يضعه في معسكر الخوارج ويخرجه من معسكر المرجئة الذي يضعه فيه مؤرخو المقالات كالأشعري والبغدادي والشهرستاني . ولكن علينا أن نلاحظ أن الإرجاء لم يثبت على أفكاره السلبية التبريرية في أوائل العصر الأموي ، وإنما تحوّل بحكم عوامل كثيرة ، من أهمها العنف الذي واجه به الأمويون كل مخالف في الرأي ، ثم سوء معاملة الموالي ، وجلّ مفكري المرجئة المتأخرين من الموالي . كل ذلك جعل أفكار المرجئة تتطور من السلبية إلى الايجابية ، بل جعل المرجئة أنفسهم يشاركون في الثورة على بني أمية . ويقابلنا أول تقسيم لفرق المرجئة عند البغدادي حيث يقول « والمرجئة ثلاثة أصناف . صنف منهم قال بالإرجاء في الايمان وبالقدر على مذاهب القدرية المعتزلة ، كغيلان وأبي شمر ، ومحمد بن شبيب البصري . . . وصنف منهم قالوا بالإرجاء في الايمان ، وبالجبر في الأعمال على مذهب جهم بن صفوان ، فهم إذا من جملة الجهمية ، والصنف الثالث منهم خارجون عن الجبرية والقدرية » 33 أما الشهرستاني فإنه يضيف فرقة رابعة يطلق