نصر حامد أبو زيد
198
الاتجاه العقلي في التفسير
التي تزول معها الشبه ، وتصل إلى درجة أشبه بالمعرفة اليقينية . كأن موسى عليه السلام طلب من اللّه أن يعرّفه نفسه معرفة ينجلي عنها الشك كأنها المعرفة الناتجة عن الرؤية والنظر المباشر . ومعنى هذا أن الآيات الواردة في قصة موسى كانت تمثل لدى المعتزلة السابقين متشابها في حاجة إلى التأويل . ويبدو أنها كانت سلاحا في يد خصوم المعتزلة يستدلون بها على جواز رؤية الباري جل وعز بدليل أن موسى عليه السلام طلب رؤيته . وكان خصوم المعتزلة - فيما يبدو - يحملون دك الجبل من اللّه وعدم تحقق الرؤية على أن موسى طلب رؤية اللّه في الدنيا ، وهي غير جائزة - في رأيهم - إلّا في الآخرة . ويتشبث المعتزلة بفكرة التبعيد الموجودة في قوله تعالى : لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي . ومعنى ذلك أن اللّه علّق رؤية موسى باستقرار الجبل ، لا على جهة الشرط ، ولكن على جهة التبعيد بأن ذلك لن يحدث . ويستشهدون على فكرة التبعيد هذه بآيات أخرى من القرآن ، وبأبيات من الشعر « كما يقول قائلهم : « لا كلمتك ما لاح كوكب أو أضاء فجر » وكما قال الشاعر : إذا شاب الغراب أتيت أهلي * وصار القار كاللبن الحليب وكما قال جل وعز : وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِياطِ وكما قال تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ فكذلك قوله : فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي ثم جعله الجبل دكا بيّن به انتفاء الاستقرار ، دليل على أن الرؤية لا تقع على وجه » 192 . وهناك فكرة أخرى تؤكد فكرة التبعيد السابقة وهي أن اللّه قال لموسى : لَنْ تَرانِي و « لن موضوعة للتأبيد ، فقد نفى أن يكون مرئيا البتة ، وهذا يدل على استحالة الرؤية عليه » 193 . وفكرة أن « لن » موضوعة للتأبيد قد يجد الخصوم فيها مطعنا يستدلون عليه من القرآن الكريم ، ذلك أن « اللّه قال حاكيا عن اليهود وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ، أي لا يتمنون الموت ، ثم قال حاكيا عنهم : يا مالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنا رَبُّكَ قالَ إِنَّكُمْ ماكِثُونَ فكيف يقال : إن لن موضوعة للتأبيد ؟ قلنا : إن لن موضوعة للتأبيد ثم ليس يجب أن لا يصح استعماله إلّا حقيقة ، بل لا يمتنع أن يستعمل مجازا ، وصار الحال فيه كالحال في قولهم أسد وخنزير وحمار ، فكما أن موضعها وحقيقتها الحيوانات المخصوصة ثم تستعمل في غيرها على سبيل المجاز والتوسع ، واستعمالهم في غيرها لا يقدح في حقيقتها ، كذلك هاهنا » 194 ومعنى ذلك أن « لن » موضوعة في حقيقتها للتأبيد ، ثم قد تستعمل مجازا كما في