نصر حامد أبو زيد

188

الاتجاه العقلي في التفسير

ويرد التشابه إلى التساوي في المصلحة والدلالة « فأمّا وصف جميعه بأنه محكم فليس المراد به ما قدمناه ، وإنما أريد به أنه تعالى أحكمه في باب الاعجاز والدلالة على وجه لا يلحقه خلل ، ووصف جميعه بأنه متشابه ، المراد به أنه سوّى بين الكل في أنه أنزل على وجه المصلحة ودل به على النبوة ، لأن الأشياء المتساوية في الصفات المقصود إليها يقال فيها متشابهة » 170 . وإذا كان القاضي قد أخضع دلالة القرآن كله لدلالة العقل ، بناء على أن اللغة لا تدل إلّا بعد معرفة القائل ، فإن المحكم والمتشابه كليهما في حاجة إلى هذه المعرفة العقلية لوقوعهما دلالة . ويرى القاضي « أن المحكم كالمتشابه من وجه ، وهو يخالفه من وجه آخر . فأمّا الوجه الذي يتفقان فيه فما قدمناه من أن الاستدلال بهما أجمع لا يمكن إلّا بعد معرفة حكمة الفاعل وأنه لا يجوز أن يختار القبيح ، لأن الوجه الذي له قلنا ذلك لا يميز المحكم من المتشابه . . . وأمّا الوجه الذي يختلفان فيه ، فهو أن المحكم إذا كان في موضوع اللغة أو لمضامة القرينة ، لا يحتمل إلّا الوجه الواحد ، فمتى سمعه من عرف طريقة الخطاب وعلم القرائن أمكنه أن يستدل في الحال على ما يدل عليه . وليس كذلك المتشابه ، لأنه وإن كان من العلماء باللغة ويحمل القرائن ، فإنه يحتاج عند سماعه إلى فكر مبتدأ ونظر مجدد ليحمله على الوجه الذي يطابق المحكم أو دليل العقل . ويبين صحة ذلك أنه عز وجل بين في المحكم أنه أصل للمتشابه ، فلا بدّ أن يكون العلم بالمحكم أسبق ليصحّ جعله أصلا له » 171 . وهكذا يظلّ القاضي عبد الجبار يلحّ على فكرة النظر التي هي والاستدلال شيء واحد ، وذلك ليظل مخلصا لتصوره العام للغة على أنها نوع من أنواع الدلالة ، . وإذا كان الكلام محتملا لوقوع المجاز فيه ، على عكس الأنواع الأخرى من الدلالة ، فمن الطبيعي أن ينفي القاضي عن المجاز تهمة الكذب التي سعى خصومهم لالزامهم بها ، وذلك لنفي الكذب عن القرآن ، وجعل تأويلاتهم قائمة على أساس مكين . ونفي الكذب عن المتشابه ، ليس إلّا دفاعا عن المجاز في اللغة عموما مما يؤكد العلاقة بين القضيتين عند القاضي « اعلم أن المتكلم قد يكون صادقا بالكلام المحتمل ، إذا أراد به الوجه الصحيح ، ويحل جميع ذلك محل كونه صادقا ، بالكلام المخصوص ، الذي لا يحتمل ، لأن الصدق ليس بمقصور على الحقيقة ، دون المجاز ، وإنما يكون المتكلم صادقا ، بالكلام الذي يجوز أن يتناول المراد باللغة ، على وجه إذا قصد به وجه الصدق ، فإذا صح ذلك في المتشابه ، كصحته في المحكم ، ولم