نصر حامد أبو زيد

17

الاتجاه العقلي في التفسير

ذات الخطر والشأن مثل قبيلة تميم وأبطال القادسية ورؤساء الجند » 18 . أمّا المرجئة - وهم مفكرو الحزب الأموي - فلم يتناولوا مسألة الإمامة تناولا صريحا . وليس في أقدم مصادر الفرق والمقالات أيّ إشارة لرأي لهم في هذا الخلاف المستعر حولهم ، بل كانت القضية التي شغلتهم هي تعريف الايمان والكفر وتأويل آيات الوعيد . وتتفق كل فرق المرجئة على أن الايمان هو المعرفة باللّه والتصديق دون العمل ، أو هو المعرفة والتصديق والإقرار باللسان . وكلهم تقريبا لا يجعلون العمل شرطا من شروط الايمان . هذا التعريف للايمان من شأنه أن يحكم على الحاكم الجائر بأنه مؤمن ، لا كافر كما حكمت الخوارج ، وذلك تأسيسا على أن التصديق بالقلب والإقرار باللسان كافيان للحكم على الايمان . وما دام الحاكم - مهما اشتد ظلمه - مؤمنا ، فلا يحق لأحد الخروج عليه . « وأجمعت المرجئة بأسرها أن الدار دار الايمان ، وحكم أهلها الايمان ، إلّا من ظهر منه خلاف الايمان » 19 ويجمع المرجئة أيضا على تأويل آيات الوعيد الواردة في القرآن الكريم على أساس أن فيها استثناء مضمرا ، أو أنها خاص وردت مورد العام . وهو مسلك تبريري يفتح الباب على مصراعيه للمظالم والمفاسد ، ما دام الايمان هو التصديق بالقلب أو الإقرار باللسان دون العمل ، وما دام باب الغفران مفتوحا بلا حدود ولا ضوابط ، « وما دامت لا تضر مع الايمان معصية » 20 ولا شك أن المرجئة - بهذا التحرّج والخشية من اتخاذ موقف صريح وواضح - يعدّون امتدادا طبيعيا لأولئك الذين اعتزلوا صراع علي وطلحة والزبير ، وتوقفوا في الحكم على عثمان . 21 وكان من الطبيعي - في مجال الصراع الفكري - أن يقرن الخوارج بين الايمان والعمل ، وأن ينكروا ما يقول المرجئة من أن الايمان هو التصديق بالقلب أو الإقرار باللسان دون العمل . ومن الصعب على الباحث أن يحدّد بدقة الفترة التي بدأ الخوارج فيها يساهمون في الجدل الفكري ، إلى جانب تحمّلهم عبء المقاومة العسكرية . ويشير بعض الباحثين إلى أن الخوارج بدءوا هذه المساهمة في خلافة عبد الملك بن مروان حيث مزجوا بين آرائهم في الإمامة وهي آراء سياسية ذات صبغة دينية ، وبين الأبحاث الدينية البحتة ، أو التي تبدو كذلك « فقالوا إن العمل بأوامر الدين من صلاة وصيام وصدق وعدل جزء من الايمان ، وليس الايمان الاعتقاد باللّه ورسالة محمد صلى اللّه عليه وسلم فحسب . فمن اعتقد أن لا إله إلّا اللّه وأن محمدا رسول اللّه ثم لم يعمل بما يفرضه الدين وارتكب الكبائر فهو كافر » 22 . وإذن فالصراع السياسي بين الخوارج والأمويين ، وازاه صراع فكري حول