نصر حامد أبو زيد
163
الاتجاه العقلي في التفسير
أمّا قوله تعالى : وَما خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ فهو يثير إشكال العموم والخصوص ، فأهل السنة يرون أنها مخصصة بدليل قوله تعالى وَلَقَدْ ذَرَأْنا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ ، ويرى المعتزلة أن الآية عامة ليس فيها تخصيص وأن اللّه « خلقهم ليفعلوا ففعل بعضهم وترك بعض ، وليس فيه لأهل القدر حجة » كما قال الفراء 100 ويتفق القاضي عبد الجبار 101 والزمخشري 102 مع الفراء في هذا التفسير مع قليل من الإضافات الكلامية الضرورية . وعلى ذلك فالآية تعدّ من المحكم عند المعتزلة لأنهم يأخذونها بظاهرها دون حاجة لتأويل . أمّا الآية التي يستشهد بها أهل السنة فالمعتزلة يتأولونها على أن فيها مجازا وحذفا ، وأن اللام في « لجهنم » ليست لام تعليل ولكنها لام العاقبة . وهكذا يتحوّل المجاز إلى سلاح تأويلي لرفض التناقض بين المحكم والمتشابه ، وهو في النهاية يخضع للأساس العقلي الذي يستند إليه المعتزلة في عملية التأويل كلها . وبنفس الطريقة ينفي الفراء عن اللّه أن يريد الكفر ، ولذلك يقول في قوله تعالى وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ « يرضى لكم الشكر . وهذا مثل قوله : فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً أي فزادهم قول الناس ، فإن قال قائل : كيف قال وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ وقد كفروا ؟ قلت : إنه لا يرضى أن يكفروا فمعنى الكفر : أن يكفروا . وليس معناه الكفر بعينه . ومثله مما بينه لك أنك تقول : لست أحب الإساءة ، واني لأحب أن يسيء فلان فيعذب فهذا مما يبين لك معناه » 103 . والمأزق الذي يحاول الفراء الخروج منه مأزق دقيق جدا ، فإذا كان اللّه لا يرضى لعباده الكفر ، ومنهم من كفر فعلا . فمعنى ذلك أنه قد وقع في ملك اللّه ما لا يرضاه . ويخرج الفراء من المأزق بالتفرقة بين المصدر الصريح « الكفر » والمصدر المؤول « أن يكفر » وعلى ذلك فاللّه لا يرضى من الكفار أن يكفروا ، أي لا يرضى منهم فعل الكفر . ويوضح المثل الذي ضربه الفراء هذه التفرقة ، والفراء يحاول أن يثبت أن الكفر من فعل العباد وواقع منهم ، لا من فعل اللّه . والتعبير القرآني نفسه وَلا يَرْضى لِعِبادِهِ الْكُفْرَ ينقلنا إلى جو آخر بعيد عن ذلك التأويل الجامد . فالتعبير بالفعل « يرضى » وإضافة العباد إلى الهاء الراجعة إلى اسم الجلالة يخلق جوا من الألفة والقرب بين اللّه وهؤلاء العباد ( عباده ) ، ويكون عدم الرضا في هذه الحالة أقرب إلى اللوم الهادئ . قد يمكن للمعتزلي - في هذه الحالة - أن يعتبر اللوم دليلا على مسؤولية الانسان عن الفعل ، ونفي مسؤولية اللّه ، لكن ذلك يظلّ استنتاجا عقليا بعيدا عن روح الآية وما توحيه في نفس القارئ من قلق من عدم رضا سيده ومولاه .