نصر حامد أبو زيد
161
الاتجاه العقلي في التفسير
مرورا سريعا ليقول « بالوفاء والعهد » 88 . وقد سبق أن توقفنا عند هذه الآية مع مقاتل ورأينا كيف نجح الزمخشري عن طريق ادراك البعد التصويري للآية ان يتخلّص من الحرج . وتستحق كلمة « الساق » في قوله تعالى يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ ساقٍ وقفة أطول من الفراء وذلك لتوجيه الحركة على الياء في « يكشف » ثم الاستشهاد على الاستعمال المجازي للفظ « ساق » ثانيا . يقول : « القراء مجتمعون على رفع الياء . . . عن ابن عباس أنه قرأ يوم تكشف عن ساق يريد القيامة والساعة لشدتها . وأنشدني بعض العرب لجد أبي طرفة : كشفت لهم عن ساقها * وبدا الشر لا براح » 89 وإذا كان التعبير باليد في قوله تعالى يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ لم يحتج إلى كبير جهد لتفسير اليد على أنها « بالوفاء والعهد » فإن التعبير « بيدي استكبرت » قد يلغي فكرة التجاوز ، أو على الأقل يعوقها ، على أساس أن تثنية اليد يؤكّد إرادة معناها الحقيقي لا المجازي ، ولهذا فهو يحتاج إلى وقفة أطول . وهدف الفراء من هذه الوقفة أن يساوي في الدلالة بين المفرد والمثنى فيقول : « اجتمعت القرّاء على التثنية ولو قرأ قارئ ( بيدي ) يريد يدا واحدة كان صوابا كقول الشاعر : أيها المبتغي فناء قريش * بيد اللّه عمرها والفناء والواحد من هذا يكفي عن الاثنين ، وكذلك العينان والرجلان واليدان تكتفي إحداهما من الأخرى ، لأن معناهما واحد » 90 ويكاد الفراء - لولا الخشية - يقترح قراءة للإفراد يفضلها على قراءة المثنى لأنها أسهل في التأويل من صيغة المثنى . ويواصل الفراء عملية التأويل للآيات التي توهم الحلول في المكان أو التحيز في الجهة . فإذا أخبر اللّه عن نفسه بقوله : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ فمعنى ذلك أن « كل شيء قهر شيئا فهو مستعل عليه » 91 وإذا وصف نفسه بأنه هو « الظاهر والباطن » فهذا ليس ظهورا ماديا متحيزا بل « الظاهر » على كل شيء علما ، وكذلك « الباطن » على كل شيء علما » 92 وكذلك لا يجوز على اللّه الاتيان والتحرك والمجيء ، فإن قال هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آياتِ رَبِّكَ فالتفسير أن « اتيان الملائكة لقبض أرواحهم ( أو يأتي ربك ) : القيامة ( أو يأتي بعض آيات ربك ) : طلوع الشمس من مغربها » 93 . ومما قد يوهم الجهة قوله تعالى فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ ويكون تفسيرها « فروا إليه إلى طاعته من معصيته » 94 وقد يكون من الضروري الإشارة إلى أن كل هذه التأويلات لا تسلم للمعتزلة من النقد ، وإن وافقهم على بعضها خصومهم ، فتسوية