نصر حامد أبو زيد

159

الاتجاه العقلي في التفسير

ذلك يجد لقراءة النصب وجها على قول المفسرين . وفي آية أخرى يختار الفراء القراءة التي تتفق مع التنزيه في تصوره ، وذلك في قول تعالى هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ يقول « بالتاء والياء . قرأها أهل المدينة وعاصم بن أبي النجود والأعمش بالياء : ( يستطيع ربك ) وقد يكون ذلك على قولك : هل يستطيع فلان القيام معنا ؟ وأنت تعلم أنه يستطيعه ، فهذا وجه . وذكر عن علي وعائشة رحمهما اللّه أنهما قرآ ( هل تستطيع ربك ) بالتاء ، وهذا وجه حسن ، أي هل تقدر أن تسأل ربك ( أن ينزل علينا مائدة من السماء ) 80 ولم تكن الآية في حاجة للترجيح بين القراءتين ، فسياق الآية يحتمل قراءة الياء على أساس أن القول صادر من الحواريين الذين كثيرا ما أرهقوا الرسل بمطالبهم . والآية - بعد ذلك - في سياق قصصي ولا تحتاج لتأويل من وجهة نظر المسلم العادي ، فضلا عن المعتزلي . وفي قوله تعالى وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ تثير كلمة ميراث بما تتضمنه من معنى الحصول على شيء ، شيئا من الخشية ، وهي خشية واردة خصوصا من أولئك الذين لا يدركون أسرار اللغة ، ومن ثم يصبح الشرح والتبسيط وسيلة لا غنى عنها ، ويصبح المعنى « يميت اللّه أهل السماوات وأهل الأرض ويبقى وحده ، فذلك ميراثه تبارك وتعالى أنه يبقى ويفنى كل شيء » 81 . فإذا انتقلنا لمناقشة وقفات الفراء أمام الآيات التي تثبت للّه جوارح ، وجدنا أن استشهاد الفراء بالشعر لا يحل له المشكلة ، فالواقع أن التصور التنزيهي الكامل للذات الإلهية - كما يبتغيه المعتزلة - يبدو غاية في الصعوبة بحكم حسية اللغة من جانب ، والتصورات البشرية للوجود من جانب آخر . فاللغة مليئة بالعبارات التي تسند للموجودات أحاسيس البشر وجوارح البشر ، فنحن نقول « عنق الزجاجة » و « رجل الكرسي » . . الخ هذه العبارات التي تستعير من الجسم الانساني لتعبّر عمّا هو غير انساني . « والحق أن جسم الانسان يعدّ قطّاعا من القطاعات البارزة التي تنتقل الكلمات منها وإليها ، أو قل إنه مركز الانتشار والجاذبية » 82 المعضلة إذن في استخدام اللغة للتعبير عن اللّه ، أنك لا تستطيع أن تنجو من التشبيه مهما حاولت . ولقد أدرك الداعي أحمد حميد الدين الكرماني هذه المعضلة ، وهاجم المعتزلة لأنهم « قالوا بأفواههم قول الموحدين واعتقدوا بأفئدتهم اعتقاد الملحدين ، بنقضهم قولهم أولا بأن اللّه لا يوصف بصفات المخلوقين باطلاقهم على اللّه سبحانه وتعالى ما يستحقه غير اللّه تعالى من الصفات من القول بأنه حي عالم قادر فسائر الصفات » 83 . وبصرف النظر عن هذه الحدة في الهجوم والاتهام ، فالأساس الذي يعتمد عليه الكرماني - وبصرف النظر عن نتائجه عنده - هو معضلة اللغة التي