نصر حامد أبو زيد
157
الاتجاه العقلي في التفسير
هذه القضايا التي تدور حول محورين أساسيين هما محور العدل ، ومحور التوحيد . فيما يتصل بقضية التوحيد تواجهنا تلك الآيات التي يوهم ظاهرها بمشابهة اللّه للبشر ، وهي تلك الآيات التي تثبت للّه وجها ويدا وساقا وجنبا ، إلى جانب تلك الآيات التي تنسب إلى اللّه العجب والفرح والسرور والأسف والغضب والمكر وغيرها من الانفعالات البشرية . هذه الصفات والانفعالات مما يراها المعتزلة علامات نقص لا تليق بجلال الكمال الإلهي والتنزيه المطلق ، وبالتالي لا بدّ من اخضاعها لسلاح التأويل وهو سلاح عقلي صارم . وكان الشعر - استجابة لصيحة ابن عباس - هو الملاذ للبحث عن سند لتأويلاتهم . ولكن الاستشهاد بالشعر لم يحل المشكلة ، فالواقع أن الاسلام جاء بتصور جديد للّه وللواقع . هذا التصور الجديد عبّر عن نفسه في لغة تعكس مدارك أهلها وثقافتهم ، ولذلك كان من الضروري - لكي تتسع اللغة للتعبير عن هذا التصور الجديد - أن يحدث تغيير في تراكيبها وأنسقتها التعبيرية . ولقد أدرك الفراء جانبا من هذه المعضلة واقترب هونا ما من لمسها وذلك في قضية نفي الجهل عن اللّه حين تعرّض لقول اللّه تعالى وَما كانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطانٍ يضلهم به حجة ، إلّا أنّا سلطناه عليهم لنعلم من يؤمن بالآخرة . يقول الفراء « فإن قال القائل : إن اللّه يعلم أمرهم بتسليط إبليس وبغير تسليطه . قلت : مثل هذا كثير في القرآن . قال اللّه وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وهو يعلم المجاهد والصابر بغير ابتلاء ، ففيه وجهان : أحدهما أن العرب تشترط للجاهل إذا كلمته بشبه هذا شرطا تسنده إلى نفسها وهي عالمة ، ومخرج الكلام كأنه لمن لا يعلم . من ذلك أن يقول القائل : النار تحرق الحطب فيقول الجاهل : بل الحطب يحرق النار ، ويقول العالم : سنأتي بحطب ونار لنعلم أيهما يأكل صاحبه فهذا وجه بين . والوجه الآخر أن تقول لَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ معناه : حتى نعلم عندكم فكأن الفعل لهم في الأصل ، ومثله مما يدل عليه قوله وَهُوَ الَّذِي يَبْدَؤُا الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ عندكم يا كفره ، ولم يقل : ( عندكم ) ، يعني : وليس في القرآن ( عندكم ) ، وذلك معناه . ومثله قوله ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ عند نفسك إذا كنت تقوله في دنياك . ومثله ما قال اللّه لعيسى أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ وهو يعلم ما يقول وما يجيبه به ، فرد عليه عيسى وهو يعلم أن اللّه لا يحتاج إلى اجابته . فكما صلح أن يسأل عما يعلم ويلتمس من عبده ونبيه الجواب فكذلك يشرط من فعل ما يعلم ، حتى كأنه عند الجاهل لا يعلم » 75 . والفكرة المطروحة هنا ، أعني فكرة المخاطبة على حسب اعتقاد المخاطب وعلى