نصر حامد أبو زيد

145

الاتجاه العقلي في التفسير

يتقدمون بها ويتأخرون ، وابتلاهم لينظر كيف يعملون ، وليبلو أخبارهم فلو كان الأمر كما يذهب إليه المخطئون لما كان إليهم أن يتقدّموا ولا يتأخروا ، ولما كان لمتقدم أجر فيما عمل ولا متأخر لوم فيما لم يعمل ، لأن ذلك بزعمهم ليس منهم ولا إليهم ولكنه من عمل ربهم . واذن لما قال : وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ، وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثاقِهِ ، وَيَقْطَعُونَ ما أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولئِكَ هُمُ الْخاسِرُونَ 15 . وإذا كان الحسن البصري يستشهد بهذه الآية على تعلق فعل الانسان به وقدرته عليه ومسئوليته عنه ، فإن الآية الثانية التي اعتبرها مجاهد من المتشابهات ، يعدّها الحسن البصري أيضا من المتشابهات وإن لم ينص على ذلك ، ولكن تأويله لها ينبئ عن أنها كانت سلاحا في يد القائلين بالجبر يشهرونه في وجه المعتزلة . يقول « ومما يجادلون فيه قول اللّه تعالى : فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ ، وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّما يَصَّعَّدُ فِي السَّماءِ ، كَذلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ ( الأنعام / 125 ) فتأوّلوا بجهلهم ، على أن اللّه تعالى ، خصّ قوما بشرح الصدور بغير عمل صالح قدموه ، وقوما بضيق الصدور يعني القلوب ، بغير كفر كان منهم ولا فسق ولا ضلال ، ولا لهؤلاء سبيل إلى ما كلفهم من الطاعة ، وهم مخلدون في النار طول الأبد ، وليس ذلك يا أمير المؤمنين ، كما ذهب إليه الجاهلون والمخطئون . ربنا أرحم وأعدل وأكرم من أن يفعل ذلك بعباده » 16 . ويعود الحسن ليؤول الآية من وجهة نظره قائلا : « وإنما ذكر اللّه ، يا أمير المؤمنين ، الشرح والضيق في كتابه ، رحمة منه لعباده ، وترغيبا منه لهم في الأعمال التي يستوجبون بها ، في حكمته ، أن يشرح صدورهم ، وتزهيدا منه لهم في الأعمال التي يستوجبون بها ، في حكمته ، تضييق الصدور ، ولم يذكر لهم ليقطع رجاءهم ، ولا ليؤيسهم من رحمته وفضله ، ولا ليقطعهم عن عفوه ومغفرته وكرمه ، إذا هم صلحوا » 17 . وإذن فلم يكن مجاهد بعيدا عن جو الجدل العقائدي ، والخلاف حول القدر ، وحول الحرية والجبر ، وما يحكى عن نزعته العقلية ، وما نسب إليه « من الميل إلى تتبع التصورات الشعبية بالدرس والفحص ، والانتقال بنفسه إلى الأماكن التي يتصل بها شيء من الخوارق الخرافية ، ليجد لنفسه تفسيرا لها عن عيان وشهادة » 18 كل ذلك يقرّبه من المعتزلة أكثر مما يباعده عنهم ، على الأقل في هذا النزوع العقلي ، والرغبة في التثبت ، حتى ليعدّه جولد تسيهر سابقا على المعتزلة في تأويلاته العقلية ورائدا لهم في مسائل متفرقة « ولكن فضل المعتزلة ينحصر في أنهم