نصر حامد أبو زيد
129
الاتجاه العقلي في التفسير
من مجال إلى مجال ، أو من الشاهد إلى الغائب ، مرتبطا بوجود علاقة بين معنى الاسم وبين ما ينقل إليه على سبيل المجاز أو الاستعارة . ويخشى المعتزلة - أعني القاضي عبد الجبار - اطلاق لفظ المشابهة على هذه العلاقة بين المعاني ، وذلك لأنهم في اطار فكرهم وفلسفتهم يحاولون نفي مشابهة اللّه للبشر في ذاته وصفاته . ولكن معنى المشابهة بين المعاني المجازية والمعاني الحقيقية يمكن أن يفهم من تحليلاتهم لبعض العبارات المجازية في القرآن . فإذا وصف اللّه نفسه بقوله وَأَحاطَ بِما لَدَيْهِمْ وَأَحْصى كُلَّ شَيْءٍ عَدَداً « فمجاز لأن الإحاطة في الحقيقة تستعمل فيما يحتوي على الشيء ، وذلك من صفة الأجسام ، وإنما وصف نفسه بذلك من حيث علم جميع المعلومات ، فتشبه من حيث علمها أجمع ، بالمحيط بالشيء ، لأنه من حيث أحاط به يعلم أحواله » 119 وإذا وصف الرجل العظيم بأنه رفيع فإنما يكون ذلك « على جهة المجاز تشبيها له بمن ارتفع مكانه » 120 وإذا سمي عيسى بأنه كلمة اللّه فالغرض « أن الناس يهتدون به كاهتدائهم بالكلمة » 121 . . الخ كل هذه الأمثلة المبثوثة في الجزء الخامس من كتاب المغني والتي تؤكد جميعا فكرة المشابهة كأساس للعلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي للفظ الواحد . غير أن فكرة المشابهة لا تعني التطابق ، وإلّا لتحوّل المجاز إلى حقيقة ، ولضاعت الحدود بين العوالم ، خصوصا بين عالمي الشاهد والغائب ، وهي حدود يحرص المعتزلة على وجودها وصلابتها . وإن كان ذلك لا يمنع قياس أحدهما - الغائب - على الآخر - الشاهد . ومبدأ القياس نفسه يقوم على نوع من المشابهة التي لا تتطابق ولا تلغي الحدود بين العالمين . وهذا هو الذي يجعل القاضي عبد الجبار يمنع من استعمال اللفظ مجازا على جهة الحقيقة ، أي يمنع من الخلط بين الاستعمالين الحقيقي والمجازي للفظ الواحد : « اعلم أن من حق المجاز إذا استعمل أن لا يراعى معناه كما يراعى ذلك في الحقائق ، لأن ذلك يوجب كونه في حكم الحقيقة . لأنه إن روعي معناه وجعل تابعا له ؛ وأجري حيث يجري معناه ، حلّ محل الحقيقة » 122 وهي نفس الفكرة التي سبقت الإشارة إليها عند الجاحظ . وغاية كل من الجاحظ والقاضي واحدة على أي حال . فالجاحظ قد اشترط ذلك للمحافظة على الوظيفة البيانية للغة ، وكذلك يشترط القاضي عبد الجبار محافظة على الوظيفة الدلالية . ويظلّ الالحاح - عند كليهما - والحالة هذه على علاقة المشابهة التي ينتقل اللفظ على أساسها من معنى إلى معنى آخر . وأي نسيان لمبدأ المشابهة من شأنه أن يخلّ بمبدإ الدلالة في المجاز من ناحية ، وأن يخلّ بتمايز عالمي الغيب والشهادة إذا كان المجاز في صفات اللّه وأحواله من ناحية أخرى . وقد كان متوقعا وقد ربط المعتزلة الدلالة اللغوية بقصد المتكلم وارادته بما في