نصر حامد أبو زيد

109

الاتجاه العقلي في التفسير

مُسَنَّدَةٌ . . . وقال كَأَنَّهُمْ أَعْجازُ نَخْلٍ خاوِيَةٍ فكان مجموعا إذا أراد تشبيه أعيان الرجال ، فأجز الكلام على هذا . وإن جاءك تشبيه جمع الرجال موحدا في شعر فأجزه . وإن جاءك التشبيه للواحد مجموعا في شعر فهو أيضا يراد به الفعل فأجزه ، كقولك ما فعلك إلّا كفعل الحمير ، وما أفعالكم إلّا كفعل الذئب ، فابن على هذا ، ثم تلقى الفعل فتقول : ما فعلك إلّا كالحمير وكالذئب » 53 فالتشبيه بالأعيان لا بدّ فيه من مطابقة المشبه للمشبه به مطابقة نحوية كاملة ، أعني من حيث الافراد والتثنية والجمع . ولا تشترط هذه المطابقة النحوية إذا كان التشبيه بالأفعال . ويسمح الفراء بتلقي هذه التشبيهات واجازتها في الشعر حتى مع حذف المشبه الذي هو الفعل . ومن الملاحظ أن الحذف هنا لا يعوق عملية التشبيه أو التمثيل ، وعلينا أن نلاحظ أن الفراء يقدّر المحذوف محافظة على وضوح المعنى . وبذلك يكون الفراء - رغم زاوية التحليل - قد أضاء بعض جوانب عملية التشبيه أو التمثيل التي أعتبرها أساس كل تجاوز في دلالة اللفظ أو العبارة . فإذا تركنا « المثل » لا نجد الفراء يضيف كثيرا إلى ما شرحه أبو عبيدة والمفسرون مثله لمفهوم « الكناية » 54 فهو ما يزال عنده مرتبطا بالمعنى اللغوي وهو الاضمار والاخفاء ، وكثيرا ما يستخدم كمصطلح نحوي يقابل مصطلح « الاضمار » عند البصريين . وحين يفسّر الفراء قول اللّه تعالى إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقانِ يقول : « فكنىّ عن هي ، وهي للايمان ولم تذكر . وذلك أن الغل لا يكون إلّا باليمين . والعنق جامعا لليمين والعنق ، فيكفي ذكر أحدهما عن صاحبه ، كما قال فَمَنْ خافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفاً أَوْ إِثْماً فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فضمّ الورثة إلى الوصي ولم يذكروا ، لأن الصلح إنما يقع بين الوصي والورثة . ومثله قول الشاعر : وما أدري إذا يممت وجها * أريد الخير أيهما يليني الخير الذي أنا مبتغيه * أم الشر الذي لا يأتليني فكنىّ عن الشر وإنما يذكر الخير وحده ، وذلك أن الشر يذكر مع الخير ، وهي في قراءة عبد اللّه إنّا جعلنا في أيمانهم أغلالا فهي إلى الأذقان فكفّت الأيمان عن ذكر الأعناق في حرف عبد اللّه ، وكفّت الأعناق من الأيمان في قراءة العامة . . . ومعناه : إنّا حبسناهم عن الانفاق في سبيل اللّه » 55 ومن الملاحظ أن فكرة الحذف متضمنة في الكناية - بهذا المفهوم - بشكل واضح بمعنى أننا نكتفي بذكر شيء واحد عن ذكر شيئين لتضمن أحدهما للآخر ، سواء في المفهوم اللفظي أو السياق المعنوي . ومما يرتبط بالكناية التعريض والتورية ، وهي فكرة يتوقف الفراء عندها لينفي