محمد ابراهيم شادي

60

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

في كلام . . " وقد أعطى البيت حقه من الثناء على بلاغته بقوله : " وهذا أفضل بيت وقع فيه الاستقصاء لمولد " . والموازنة هنا لا تقوم بين كلامين متفقين في المعنى وإنما تدور حول كلامين يلتقيان في طريقة التناول وفي الأسلوب كما سبق . وإذا حاولنا تكملة ما بدأه كانت الموازنة من جهتين : الأولى : خصوصيات المعاني . الثانية : طريقة الاستقصاء فيها . فمن الجهة الأولى نجد البحتري يصف الإبل بالنحافة ، وهذا المعنى متداول عند الشعراء ، ومنهم من برع في تصويره فجعل ما ينقص من شحم الناقة ولحمها وكأن الرحل يقتات منه من طول الملازمة ومن طول المسير كما قال طفيل الغنوي . وجعلت رحلي فوق ناجية * يقتات شحم سنامها الرحل لكن الذي جعل لمعنى البحتري صيتا وذيوعا هو الترقي في الوصف بالنحافة حتى لم يبق من الإبل في النهاية شيئا سوى أعصاب جافة تشبه الأوتار . أما المعنى القرآني فلقد جاء جديدا لا عهد للعرب به وهو " من يعمل خيرا ويضم إليه ما يحبطه فيجده يوم القيامة هباء منثورا " « 1 » أو هو عمل الخير الذي يعظم في نفس صاحبه ولا يبتغى به وجه اللّه ، أو الإنفاق الذي يلاحق بالمن والأذى حتى يحبطه اللّه ، فجدّة هذا المعنى المتصل بممارسة المسلم العبادات والقربات وكونه على جانب كبير من الخطورة اقتضى تصويره ليتضح ما فيه من خطر على سبيل التحذير بالتمثيل الكاشف الذي افتتح بالاستمالة والاستدراج وخطاب النفس والعقل عن طريق هذا الاستفهام التقريري ( أَ يَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ ) . . الآية ، والجنة هنا بستان ظليل يتكون من أعظم الشجر ( نَخِيلٍ وَأَعْنابٍ ) وقد كثر ثماره ( لَهُ فِيها مِنْ كُلِّ الثَّمَراتِ ) وكان صاحبه أحوج ما يكون إليه

--> ( 1 ) فتح القدير للشوكاني 1 / 282 .