محمد ابراهيم شادي

57

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

وبهذا يتبين إن إعجاز هذه الآية في روعة إيجازها بحيث تشتمل على رموز القصة كلها بأطرافها من البداية للنهاية مع خصوصية المعاني وسموها ، ناهيك عن الإشارة إلى أدب النبوة الذي جعل يوسف لا ينطوى صدره على الحقد ولا يستغل الموقف للتشفى أو التأنيب ولكنه يصفح ويعذر حين ينسب ما كان لنزغ الشيطان نسبة لا تميل نحو إخوته ولكن تعادل وتوازن بينه وبينهم إذ قال : ( مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي ) ولم يقل بعد أن نزغ الشيطان لأخوتى . ربما كان هذا ما أراده ابن أبي الإصبع حين طلب منا أن ننظر لنرى تفاوت ما بين الكلامين دون تفضيل . على أنه لا يفوتنا التنبيه إلى أن قصيدة الأعشى بليغة في مقامها الذي دعاه إلى الإطناب في عرض تفاصيل القصة لأنه ينقل ما يحدث أمامه في الواقع من مشاهد وحوار ، ثم إنه كان يتوجه بها إلى النعمان بن المنذر قائلا له : كن كالسموأل في كذا وكذا ، فمن المناسب أن يعرض ما كان بالتفصيل حتى تبرز عظمة ذلك الوفاء وصلابة الرجال في مواقف الشدة ، فهو ينتهز الفرصة ليعرض النموذج المثال الذي يجب الاحتذاء به . وجاء أروع من هذا إيجاز الآية ولم تكن إعادة للأحداث السابقة ولكن الموقف اقتضى أن يذكّر أخوته بفضل اللّه عليهم جميعا ونعمته عليه في أحلك اللحظات في رموز مختصرة بحيث يشير كل رمز إلى أحداث كثيرة ويستحضرها وهي تمر بالذاكرة مرورا سريعا . إن قصة السموأل والحارث تمثل الصراع بين الخير والشر وانتصار الخير مع سقوط ضحايا وإراقة دماء وإثارة الأسى في القلوب من قتل الابن أمام عين أبيه ، أما الآية فإنها تبلور ما كان من صراع بين الخير والشر وانتصار الخير من غير سقوط ضحايا ولا إراقة دماء مع غرابة الأحداث التي تنتهي نهاية تقرّ بها العيون وتنبسط لها النفوس وتنشرح لها الصدور وتخرج بالعبرة ، فتثق في قدرة اللّه وتطمئن إلى فضله ونعمته لمن كان له قلب ، كما توحي بالخلق الكريم في