محمد ابراهيم شادي

54

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

وليس هناك معنى ما تلتقى حوله الأبيات والآية حتى نبحث عن خصوصيات التعبير عن المعنى والفروق في هذا الشأن . وما يمكن ملاحظته في هذا السياق أن الوفاء الذي تضمنته تلك الأبيات معنى معروف عند العرب ، وقد ورد في كلامهم شعرا ونثرا وإن كان قد بلغ الذروة عند السموأل الذي آثر التضحية بابنه على التفريط في الأمانة التي حمله إياها امرؤ القيس ، وقد أحسن الأعشى صياغة معانيه وجاءت الصور مناسبة للمقام كتشبيه جيش الحارث الذي حاصر حصن السموأل بسواد الليل لأنه لا يعنى وصف الجيش بالاتساع وترامي الأطراف حسب ، وإنما يرتبط بهذا معان نفسية نابعة من طبيعة الليل وسواده كالرهبة والهيبة والخوف والفزع ، فالأعشى كان موفقا في التشبيه بهذا العنصر وكان متعاطفا مع السموأل لأنه أراد أن يبرهن بهذه الصورة على ثباته وصلابته ، لأن جيش الحارث مع كونه بهذه الصورة المخيفة لم يزعزع السموأل ولم يهز من ثباته ، ولم يزحزح من موقفه العظيم . ناهيك عن ذلك الحوار المثير الذي يبدأ بإهانات الحارث التي قصد منها استثارة السموأل ، وقد طوى الشاعر الفطن هذه الإهانات حتى لا تدور على ألسنة العرب في شعره بما لا يتناسب مع موقف رجل كريم واكتفى الأعشى عن ذلك بالمثل الموجز " سامه خطتى خسف " وهو يدل بوضوح على ما أذاقه الحارث للسموءل من إهانات لكن السموأل كان فطنا حذرا فلم يقع فيما أراده الحارث مكتفيا بقوله : مهما تقل فإني سامع حار ولا يغيب عنا ما في حذف أداة النداء وما في الترخيم من تودد وملاينة لامتصاص هياج الحارث لكن ذلك لم يزده إلا هياجا وتهديدا إذ قال : غدر وثكل أنت بينهما ولا يخفى ما في تقديم الغدر والثكل من حسم وإيجاز وقطع فالمقام لا يسمح بأن يقول له مثلا أنت مخيّر بين غدر بصاحبك وبين فقد حياة ابنك الأسير وكان رد السموأل عليه " اقتل أسيرك إني مانع جاري " ولم يقل : اقتل ابني ليريه أنه لن