محمد ابراهيم شادي
42
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
وإيجاز العبارة بما يدل على إعجاز القرآن وأنه من تنزيل حكيم حميد ، وشتان ما بين هذا النهج المجمل في الموازنة وبين ما كان يطمح إليه عبد القاهر أو ما سلكه الباقلاني ، لكن حسب ابن ناقيا في هذا المجال أنه قدم وفرة من الشواهد التي تأثر فيها الشعراء بتشبيهات القرآن وهي فرصة لمن شاء أن يوازن وأن يبرز خصوصيات الصورة القرآنية ونواحي التميز فيها وهذا ما حاولته في بعض الشواهد التي قدمها . واللافت أن ابن ناقيا عرض موقفا بين نقاد الشعر قبله يدل على وعيهم بمدى تأثر الشعر بالقرآن ، لكنه لم يتأس بهم في رؤيتهم العميقة ، من ذلك : " قال الأصمعي لخلف : أي الرجلين عندك أشعر : جرير أم الأخطل ؟ فقال : قال الأخطل : وكم قتلت أروى بلا ترة لها * وأروى لفرّاغ الرجال قتول أي أن قتلها إيانا لا دية له ، وقال جرير في مثل المعنى : إن العيون التي في طرفها حور * قتلننا ثم لم يحيينا قتلانا « 1 » فانظر كم بين الكلامين في البلاغة وبين العبارتين في الرشاقة ، وإنما ذهب جرير إلى أن العيون قتلنه بلا قصاص ، ولو اقتص منها بأخذ العوض لكان ذلك حياة له ، فنظر في هذا المعنى إلى قوله تعالى : ( وَلَكُمْ فِي الْقِصاصِ حَياةٌ ) . قال الأصمعي : فقلت : ففي بيت الأخطل زيادة بقوله : " وأروى لفرّاغ الرجال قتول " ، قال خلف : أجل هي زيادة ، وقول جرير على ذلك أحلى وأحسن إمتاعا في الأسماع « 2 » . فهذه من الموازنات الجيدة التي نقلها ابن ناقيا عن الأصمعي فيما دار بينه وبين خلف ، ولو أن ابن ناقيا تأسّى هذا النهج فيما أورده من تشبيهات قرآنية وتشبيهات شعرية لكان لكتابه وزن كبير لكنه كان يكتفى بصيغة التفضيل كما سبق .
--> ( 1 ) القتل مجازي ، ويقصد به وقوعه فريسة لسهام تلك العيون ، ولو وصلته لكان حياة له ، لكن ذلك لم يحدث ، وهذا معنى " ثم لم يحيينا قتلانا " . ( 2 ) الجمان في تشبيهات القرآن 136 ت الداية وزرزور طبعة الكويت 1387 ه - 1968 م .