محمد ابراهيم شادي

35

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

الكلمات ، فما الجديد في نظم القرآن حتى جعله معجزا ؟ لا شك أنه سؤال يبعث على الحيرة ويدفع للبحث عن الإجابة وكان كتاب " دلائل الإعجاز " . هو الإجابة عن هذا السؤال وإن كان قد قدم الوسائل والدلائل والمفاتيح التي تهدى لكنه لم يقدم النتائج والخصوصيات التي تدخل في أسرار الإعجاز وأسبابه بشكل محدد ونهائي ولا نستطيع أن نتهم عبد القاهر بالعجز عن الوصول إلى تلك النتائج النهائية ، ولكن المهمة كانت شاقة والعمر لا يمهله ، فلقد كان يصنف هذا السفر العظيم في أخريات حياته وتوفى عام 471 ه . أدوات البحث عن الإعجاز : لا نجد حديثا عن أدوات البحث عن الإعجاز قبل عبد القاهر ، فذلك مما أعمل فكره فيه وأبدعته قريحته بعد التأمل العميق والتجربة الطويلة ، وتتلخص تلك الأدوات في العلم باللغة والعلم بالشعر ، ويهمنا هنا أنه وهو يسعى إلى إقناع القارئ بأهمية تلك الأدوات يقدم حججا وبراهين تدخل في صميم الإحساس بتميز القرآن وأن هذا التميز هو النتيجة التي يريد أن يصل إليها بالمنهج الذي لا منهج سواه وهو الموازنة ، يقول : " ذلك أن الجهة التي منها قامت الحجة بالقرآن وظهرت وبانت وبهرت هي أن كان على حد من الفصاحة تقصر عنه قوى البشر « 1 » فمن المحال أن يعرف الإعجاز إلا من عرف الشعر الذي هو ديوان العرب وعنوان الأدب والفصاحة عندهم ، ثم بحث عن العلل والأسباب التي يتفوق بها شعر على شعر كوسيلة لمعرفة العلل والأسباب التي يتفوق بها القرآن على الشعر ، لهذا كان الصاد عن معرفة الشعر وفهمه وتذوقه صادا عن معرفة حجة اللّه على عباده وكان صادّا للناس عن البحث في الإعجاز " ، وعبد القاهر ينبّه إلى أن العلم بالشعر من الدين طالما كانت العناية دينية « 2 » .

--> ( 1 ) يقصد أن التحدي بالقرآن الذي أظهر عجز العرب كان حجة لهذا الدين وأن الجهة التي بسببها ظهر تفوق القرآن هي بلوغه في الفصاحة حدّا لا يستطيعونه لأنه فوق قواهم وطاقاتهم . ( 2 ) انظر دلائل الإعجاز 8 ، 9 .