محمد ابراهيم شادي

26

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

تعدد أغراضها وربما قصد ما أراده الرماني من تصريف الغرض الواحد في دلالات مختلفة ، وقد اتضحت فكرة الباقلاني وهو يقابل ما في القرآن بما عند الشعراء ، فإن الشاعر لا يمكن أن يجوّد في جميع أغراض الشعر " ومتى تأملت شعر الشاعر البليغ رأيت التفاوت في شعره بحسب الأحوال التي يتصرف فيها ، فيأتي بالغاية في البراعة في معنى ، فإذا جاء إلى غيره قصر عنه ووقف دونه . . . وكذلك يتفاوت الناس عند إعادة ذكر القصة الواحدة ، ونظرنا في القرآن فيما يعاد ذكره من القصة الواحدة فرأيناه غير مختلف ولا متفاوت " « 1 » إن هذا كلام رجل مجرب بعد طول نظر ، وبعد ترديد التأمل بين القرآن الكريم وكلام الناس . 3 - ثم نجد هذا التأمل واضحا في حديثه عن وجه آخر للإعجاز يتعلق ببناء السورة القرآنية والروابط بين تراكيبها وحسن التخلص بين معانيها وأغراضها وقد صاغ هذا الوجه صياغة تدل دلالة قاطعة على إحساسه القوى بالتفاوت الشديد بين بناء المعاني في القرآن وبناء معاني الفصحاء يقول " ومعنى رابع هو أن كلام الفصحاء يتفاوت تفاوتا بينا في الفصل والوصل والعلو والنزول ، ألا ترى أن كثيرا من الشعراء قد وصف بالنقص عند التنقل من معنى إلى غيره ، والخروج من باب إلى سواه حتى إن أهل الصنعة قد اتفقوا على تقصير البحتري - مع جودة نظمه وحسن وصفه - في الخروج من النسيب إلى المديح ، وأطبقوا على أنه لا يحسنه . . وإنما اتفق له في مواضع معدودة خروج يرتضى وتنقل يستحسن ، وكذلك يختلف سبيل غيره عند الخروج من شئ إلى شئ والتحول من باب إلى باب ، لكن القرآن على اختلاف فنونه ، وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمتناسب ، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة ، وتظهر به البلاغة ، ويخرج معه الكلام على حد العادة « 2 » . ومن الوجهين السابقين نجد الباقلاني يحسن استغلال التميز الظاهر للسورة القرآنية باعتبارها وحده بناء وكيان نصي مكتمل ليس له نظير في استواء نظمه

--> ( 1 ) إعجاز القرآن 37 . ( 2 ) المرجع السابق 38 .