محمد ابراهيم شادي
20
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
متناهي الغاية في معناه كقوله تعالى : ( الْحَاقَّةُ * مَا الْحَاقَّةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْحَاقَّةُ ) وقوله سبحانه ( الْقارِعَةُ * مَا الْقارِعَةُ * وَما أَدْراكَ مَا الْقارِعَةُ ) فذكر يوم القيام وأتبعها بذكر أوصافها وعظيم أهوالها ، أما ذاك المعارض فقد علق هذا القول على دابة يدركها البصر في مدى اللحظة ، ثم اقتصر على ذكر المشفر والذنب حتى أشبه قول القائل : وإني وإني ثم إني وأنني * إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا ثم يقول له : أي صغير ما أتيت به في عجز كلامك من عظيم ما أحميته في صدره ، ويسير ما رضيت به في آخره " « 1 » وهذا يعنى التفاوت الشديد بين صدر الكلام وعجزه في تلك المعارضة بخلاف ما جاء عليه هذا النظم القرآني ( في صدر سورة الحاقة وسورة القارعة ) من التناسب بين التهويل في الصدر والأهوال فيما تلاه . والذي نفيده في هذا السياق أن الخطابي لمّا رأى كلاما على طريقة النظم القرآني أو يحاول أن يكون كذلك وازن ولم يمنعه من الموازنة هبوط مستوى ذلك الكلام ، لأنه أدرك أن تلك الموازنة هي الوسيلة الوحيدة لإبراز تميز القرآن وتفرده أو سقوط ذلك النص الذي قاله المعارض . وهذا ينبهنا إلى أهمية الموازنة وأنها السبيل الوحيد لمعرفة جهات التميز والتفوق في القرآن الكريم سواء كانت الموازنة بين نصين يلتقيان في الصياغة والطريقة والقالب فيكون الهدف من الموازنة بيان الفروق المعنوية كما فعل الخطابي أم كانت الموازنة بين نصين يلتقيان في المعنى أو في قدر من الأفكار فتكون الغاية من الموازنة بيان الفروق الأدائية والخصوصيات التعبيرية وأثرها على الفروق الدلالية . وربما كانت الموازنة في طريقة البناء وكيفيات التخلص والانتقال عندما تكون الموازنة بين سورة كاملة وقصيدة كاملة لبيان الفروق في كيفيات البناء ومدى التماسك والوحدة .
--> ( 1 ) بيان إعجاز القرآن من ثلاث رسائل 67 .