محمد ابراهيم شادي
15
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
وهذا منهج من لا يسلب من كلام العرب فصاحة اللفظ والمعنى وحسن النظم لكنه يرى تميز القرآن فيها وتفوقه كما يبدو من صيغ التفضيل " أفصح وأحسن وأصح " ، فضلا عن وجود تلك الفضائل في القرآن على اجتماع واطراد كما سبق . وعلى طريقة التحليل والتفكيك راح يبحث عن إعجاز اللفظ القرآن منفردا عن معناه وعن نظمه ، ففي المعاني القرآنية « 1 » يرى أنها معجزة من جهة الجمع بين شتاتها في انتظام واتساق يعجز عن مثله البشر . وفي الألفاظ القرآنية يرى أنها معجزة من جهة وضع كل لفظ في موضعه الأخص الأشكل به والذي إذا أبدل مكانه غيره نتج عنه تبدل المعنى أو ذهاب الجمال والرونق ويرى أن هذا هو عمود البلاغة « 2 » . أما النظم فلم يكشف الخطابي عن وجه الإعجاز فيه تفصيليا مكتفيا بالتنبيه إلى حاجة رسومه إلى مزيد من الثقافة والحذق ، لأنها لجام الألفاظ وزمام المعاني ، وبه تنتظم أجزاء الكلام ويلتئم بعضه ببعض فتقوم له صورة في النفس يتشكل بها البيان " 36 ثلاث رسائل . لكن حديثه عن دقة اللفظ القرآن في موقعه الأخص به يعد حديثا في الوقت ذاته عن النظم ؛ لاعتماده في الدلالة لهذا على حاجة المعنى وموقع الكلمة في النظم بحسب تلك الحاجة ، إنه البحث عن التخير الذي يرتبط بنظم المعاني ودلالة السياق .
--> ( 1 ) كتوحيد اللّه سبحانه ، والدعاء إلى طاعته وبيان منهاج عبادته من تحليل وتحريم وحظر وإباحة ووعظ وتقويم ، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ، والإرشاد إلى محاسن الأخلاق ، والزجر عن مساوئها مع وضح كل شئ من ذلك موضعه الذي لا يرى شئ أولى منه الخ . . . 27 . ( 2 ) وقد ذكر أمثلة لهذا منها قوله تعالى : ( وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ ) [ الزخرف : 36 ] فأشار إلى دقة استعمال الحرف في القرآن إذا قال ( يعشو عن ) ولم يقل يعشو إلى لأن يعشوا إلى الشيء بمعنى ينظر إليه ، ويعشوا عنه بمعنى يعرض ونقل عن العرب ما يدل على هذا ، ثم كانت ردوده على الشبهات المثارة حول بعض الألفاظ القرآنية دالة على دقة استعمال اللفظ القرآن من 29 : 36 بيان إعجاز القرآن ضمن ثلاث رسائل .