محمد ابراهيم شادي
110
إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )
( وَابْتَلُوا الْيَتامى حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) . . الآية 6 من سورة النساء . فهذه الآية تتضمن ضرورة ابتلاء واختبار قدرة اليتامى على التصرف وتنمية هذه القدرة من قبل البلوغ بإشراكهم في بعض الأعمال أو إسنادها إليهم على سبيل التدريب حتى إذا بلغوا سن النكاح والبلوغ تابع الوصي ذلك اليتيم وراقب تصرفاته ، فإن آنس منه رشدا وصوابا دفع بماله إليه دون تردد . يفهم هذا من كلمة ( حتى ) فإنه لم يقل : وابتلوا اليتامى إذا بلغوا النكاح بمعنى توقف الاختبار على بلوغ سن الرشد ، ولكن يجب اختبارهم قبل ذلك حتى إذا بلغوا هذه السن صاروا قادرين على التصرف الراشد ، وهذا يستلزم أن يدخل في معنى الأمر ( ابتلوا ) إعداد اليتيم لهذا الاختبار بإعطائه فرصا من الأعمال التي يصبح بعدها مؤهلا للاختبار - فدلالة ( حتى ) على الغاية يعنى أن ما قبلها مرحلة يقطعها في طريق الابتلاء والاختبار قبل الوصول إلى سن البلوغ ، أفليس هذا تصويرا بتلك الأداة الموجزة ثم إنه لم يقل : فإن آنستم منهم رشدا فأعطوهم أو مكنوهم من أموالهم ولكن قال : ( فادفعوا ) للإشارة إلى حزم الأمر وحسمه ، ومقاومة ما قد تقع فيه نفس الوصي من تردد أو إبطاء في تمكين اليتيم من ماله بسبب ما من أسباب الطمع الذي يتخذ أشكالا من العلل والحجج الواهية . فالتعبير بالدفع يجسم الفكرة ويكسوها قوة وحسما وقطعا ، وهو بذلك يمهد للنهي المحذر في قوله : ( وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً وَبِداراً أَنْ يَكْبَرُوا ) . وهذه صورة ثالثة في أداء ذلك المعنى التشريعي ، لأن المعنى لا تنفقوا من أموال اليتامى في إسراف وإسراع قبل أن يكبروا ويستردوا أموالهم ، فإن حدوث هذا ينطوى على إثمين كبيرين : الأول الإسراف في الإنفاق من مال اليتامى من غير حاجة أو مع تجاوز الحاجة الضرورية ، الثاني تعمد التعجل في هذا قبل أن يأتي سن البلوغ الذي يخول لليتيم الحصول على ماله ، لهذا حذر اللّه سبحانه منه وعبر عن الإنفاق بلفظ الأكل خاصة لأنه يبرر الفعل في أبشع صوره وهو استحلال ملء البطن بالحرام ، فإنها صورة بشعة قذرة تشمئز منها الفطر السليمة ،