محمد ابراهيم شادي

95

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

روم التراكيب : يفهم من حديث الرافعي عن روح التراكيب أنه يقصد منها الميزة التي ينفرد بها القرآن في ضم كلماته في علاقات خاصة تبث الحياة في تلك المفردات ، وهي الروح التي تسرى في بناء الكلام فتنشئ نوعا من الصلات والعلاقات بين أجزائه مهما تعددت معانيه وتنوعت أغراضه ، فهي سمة خاصة بالقرآن " لم تعرف قط في كلام عربى غير القرآن وبها انفرد نظمه وخرج عما يطيقه الناس ، وبسببها انتفى التباين والتفاوت ، وتعلق أجزاء النظم بعضها ببعض مهما تعددت الأغراض وتنوعت الوجوه التي يتصرف فيها في تلك الأغراض كالقصص والمواعظ وضرب الأمثال « 1 » . وإنما وقع للبلغاء النقص من جهة التركيب ، والتباين عند تعدد الأغراض أو الانتقال من معنى إلى معنى ؛ لأنه ليس لكلامهم روح كروح النظم في القرآن ، وهذه الروح يشعر بها المرء شعورا قويا كلما استمع إلى كلام العرب ثم استمع إلى القرآن ، ويصل من خلال هذا إلى أن العرب أوجدوا اللغة مفردات فانية وأوجدها القرآن تراكيب خالدة . والحق أن هذا الذي يتحدث عنه الرافعي ليس شيئا جديدا إلا في الألفاظ فالفكرة موجودة عند القدماء ، وحديث الرافعي عنها بلورة لما سبق إليه هؤلاء ولا سيما الباقلاني في حديثه عن بناء السورة القرآنية والروابط بين تراكيبها وحسن التخلص بين معانيها وأغراضها " فالقرآن على اختلاف فنونه وما يتصرف فيه من الوجوه الكثيرة والطرق المختلفة يجعل المختلف كالمؤتلف والمتباين كالمتناسب ، وهذا أمر عجيب تبين به الفصاحة ، وتظهر به البلاغة ، ويخرج معه الكلام على حد العادة " « 2 » .

--> ( 1 ) نفسه بتصرف 280 . ( 2 ) إعجاز القرآن للباقلاني 38 .