محمد ابراهيم شادي

88

إعجاز القرآن و منهج البحث عن التميز ( الموازنة )

الشفتين في الميم ، وهكذا ترى انتقالات متكررة وترى الحروف ما بين كرّ وفر بين بداية المخارج ونهايتها من الحلق إلى الشفتين ثم رجوع إلى الحلق ثم عودة إلى الشفتين مرورا بمحطات وسط بينهما في توزيع متعادل بين تلك المحطات بحيث لا تجد تعثرا ولا إرهاقا لمخرج من تلك المخارج ، ولا ريب في أن سهولة خروج الأصوات يستلزم سهولة في تلقى الأذان . وهذا التوزيع لا يتعلق بالكلمة وحدها وإنما يرتبط بالنظم الذي أرجع العلماء الإعجاز إليه ، لأن توخى ترتيب معين للكلام له ثمرات كثيرة جدا منها ذلك التوزيع المتوازن للحروف على أعضاء نطقها . انظر إلى قوله تعالى : ( أَ فَحَسِبْتُمْ أَنَّما خَلَقْناكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنا لا تُرْجَعُونَ فَتَعالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ ) . تجد توزيعا متوازنا يدور بين بداية المخارج ونهايتها فيما يشبه الحل والترحال ، إذ يبدأ أول حرف من أقصى الحلق ( الهمزة ) يليه حرف من الشفتين هو الفاء . تليها رحلة أخرى بثلاثة حروف تبدأ بالحاء الحلقية وتنتهي بالباء الشفوية مرورا بالسين التي تخرج من منطقة قريبة من الشفتين . يلي ذلك رحلة عكسية من الشفتين تبدأ بالميم الشفوية التي اتخذت من التاء القريبة منها وصلة إليها في ( تم ) من نهاية الفعل ( حسبتم ) وتنتهي للهمزة الحلقية في ( أنما ) دون وسائط بينهما . تليها رحلة عكسية أخرى من تلك الهمزة الحلقية إلى الميم الشفوية مرورا بالنون القريبة من الميم في ( أنما ) . يلي ذلك رحلة عكسية أخرى من الحاء الحلقية في أول الكلمة إلى الميم الشفوية في نهايتها من ( خلقناكم ) وإنما تعددت محطات المخارج الوسط هنا بين البداية والنهاية للإشعار بمراحل الخلق وإعجاز القدرة فيه .