محمد حسين علي الصغير
99
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
« ولا شك أن هذه الوجوه لا تشمل كل أقسام المقسم ، فمن التشبيهات ما ليس بوجه من هذه الوجوه كتشبيه غير الواضح بالواضح كما ترى ذلك في كثير من الآيات القرآنية ، وكالتشبيه الذي يقصد به ما أكنه سبحانه ، وما خلق ، وما دبر ، فهو تقريب بالمغيب عنا إلى المعلوم لنا ، وما عند اللّه أعظم وأكبر ، وقد يكون التشبيه لتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي أو لتصوير المعنى الكلي في بعض جزئياته » « 1 » . والواقع - فيما يخيل إليّ - أن ما أبانه أبو زهرة قد اشتمل عليه تقسيم الرماني دلالة وإشارة ، إذ الأقسام الأربعة التي أوردها الرماني تستوعب هذه الجزئيات التي استنبطها أبو زهرة : من تشبيه غير الواضح بالواضح ، والمغيب بالمعلوم ، وتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي ، أو تصويره في بعض الجزئيات ، فتشبيه ما لم تجر به العادة إلى ما جرت به العادة يستوعب تشبيه غير الواضح بالواضح ، لأن ما لم تجر به العادة أمر غير متضح للذهن فشبه بالواضح فزال الغموض ، والواضح هو ما جرت به العادة ، وتشبيه ما لم تقع عليه الحاسة إلى ما تقع عليه يشمل تشبيه المغيب ذهنيا بالمعلوم حسيا . وتشبيه ما لا قوة له في الصفة إلى ما له قوة فيها هو بالذات تشبيه لتقريب المعنى الكلي من المعنى الجزئي ، وبه يصور المعنى الكلي في بعض جزئياته إلى حد ما ، وبهذا يندفع إشكال الأستاذ أبي زهرة . ويرى الدكتور بدوي طبانة أن التشبيه في جريانه على أصله « هو ما يلحق فيه الأدنى بالأعلى ، والمجهول بالمعلوم ، والخفي بالجلي ، والناقص بالكامل ، وأن الأصل في ذلك اعتبار وجه الشبه الذي يكون أوضح وأتم في المشبه به منه بالمشبه . . . وأن التشبيه المقلوب هو ما عكست فيه هذه الأمور فيدعي أن العلم والجلاء والكمال متوافرة في المشبه على درجة أتم من توافرها في المشبه به » « 2 » . وهذا الرأي دقيق للغاية ، وتدعمه الأدلة في سريان حكم التشبيه على
--> ( 1 ) محمد أبو زهرة ، المعجزة الكبرى ، القرآن : 220 - 221 . ( 2 ) بدوي طبانة ، علم البيان ، دراسة تاريخية فنية في أصول البلاغة : العربية : 100 .