محمد حسين علي الصغير

80

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

التشبيه في المثال الآنف ، تقومان مقام إطنابك في صفة الوجه بالنور والجمال والاستدارة والإشراق ، والصفات المناسبة الأخرى ، وأما البيان فبحسبه أنه عبر عما في نفسك تعبيرا مؤثرا سليما بلغت به المراد . لقد اهتمّ الباحثون قديما وحديثا في موضوع التشبيه فصنفوا فيه كثيرا ، وذلك تعبير عملي عن أهمية التشبيه وقيمته البيانية والتراثية بوقت واحد . والدليل على أهمية التشبيه عند العرب أننا نلمس ظاهرة شائعة في بيانهم بالنسبة إليه : فإنهم قد يتجاوزون التشبيه الواحد في العبارة الواحدة إلى تشبيهات متعددة تصور بها براعة التشبيه ، ودقة المعنى ، دليلا على بلاغة المتكلم ، ومقياسا لأصالة الشاعر ، وسمة لمقدرة الخطيب . وسنلمس في المبحث الآتي في : خصائص التشبيه ، جوانب مشرقة تعبر عن أهمية التشبيه في مجالات مختلفة لا سيما في القرآن الكريم الذي تدور دراستنا في فلك ضوئه الهادي . خصائص التشبيه : من خصائص التشبيه في البيان العربي كونه عنصرا أساسيا في التركيب الجملي ، والمعنى العام المراد لا يتم إلا به ، فالنص الأدبي الممتاز لا يقصد إلى التشبيه بوصفه تشبيها فحسب ، بل بوصفه حاجة فنية تبنى عليها ضرورة الصياغة والتركيب ، فهو وإن كان عنصرا أساسيا يكسب النص روعة واستقامة وتقريب فهم ، إلا أنه يبدو عنصرا ضروريا لأداء المعنى المراد من جميع الوجوه ، لأن في التشبيه تمثيلا للصورة ، وإثباتا للخواطر ، وتلبية لحاجات النفس . إنك تستطيع من خلال التشبيه تكييف النص الأدبي نحو المعنى المراد ، دون توقف لغوي ، أو معارضة بيانية ، مسيطرا على الموقف من خلال تصورك لما تريد إمضاءه من حديث ، أو إثباته من معنى . يقول ابن الأثير ( ت : 637 ه ) : « إنك إذا مثلت الشيء بالشيء فإنما تقصد به إثبات الخيال في النفس بصورة المشبه به أو بمعناه ، وذلك أوكد في طرفي الترغيب فيه أو التنفير عنه ، ألا ترى أنك إذا شبهت صورة بصورة هي أحسن منها كان ذلك مثبتا في النفس خيالا حسنا يدعو إلى الترغيب