محمد حسين علي الصغير
64
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
يخرجه من البلاغة إفساد المتأخرين له ، وإدخال مباحث المتكلمين فيه عند تعرضهم للفاعل الحقيقي « 1 » . المجاز المرسل وتسميته بالمرسل نابعة من كونه غير مرتبط بقيود ، فالإرسال في اللغة الإطلاق ، وأرسله أطلقه ، ولما كانت الاستعارة مقيدة بادعاء أن المشبه من جنس المشبه به ، كان المجاز المرسل مطلقا من هذا القيد . ولعل الإمام عبد القاهر الجرجاني ( ت : 471 ه ) هو أول من تنبه إلى الفروق المميزة بين الاستعارة والمجاز المرسل في حديثه عن المجاز اللغوي حينما يقرن بالاستعارة ، وتكون علاقته غير المشابهة « 2 » . ويبدو أن السكاكي ( 626 ه ) أول من أطلق هذه التسمية عليه « 3 » . وقد عرفه الخطيب القزويني ( ت : 739 ه ) متابعا السكاكي بقوله : « وهو ما كانت العلاقة بين ما استعمل فيه وما وضع له ملابسة غير التشبيه ، كاليد إذا استعملت في النعمة ، لأن من شأنها أن تصدر عن الجارحة ، ومنها تصل إلى المقصود بها ، ويشترط أن يكون في الكلام إشارة إلى المولي لها ، فلا يقال : اتّسعت اليد في البلد ، أو اقتنيت يدا ، كما يقال : اتّسعت النعمة في البلد ، أو اقتنيت نعمة ، وإنما يقال : جلت يده عندي ، وكثرت أياديه لديّ ونحو ذلك » « 4 » . وفي هذا التعريف والتنظير تبدو العلاقة بين الاستعمال الحقيقي والمعنى المجازي بالنسبة لليد ، فهي وإن كانت جارحة لا تتصرف إلا بأمر من الإنسان ، إلا أنها تستعمل فيما يصدر عنها من العطاء في مقام النعمة ، والبطش في مقام القوة ، والضرب عند الانتقام مثلا ، وبها يتعلق الأخذ والعطاء ، والمنع والدفع ، والصد والرد ، وكل صادر عنها بعلاقة هي غير
--> ( 1 ) ظ : أحمد مطلوب ، فنون بلاغية : 109 . ( 2 ) ظ : عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 376 . ( 3 ) ظ : السكاكي ، مفتاح العلوم : 195 وما بعدها . ( 4 ) ظ : القزويني ، الإيضاح : 270 .