محمد حسين علي الصغير
55
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
من التأويل ، إفادة للخلاف لا بواسطة وضع ، كقولك : أنبت الربيع البقل ، وشفى الطبيب المريض ، وكسا الخليفة الكعبة ، وهزم الأمير الجند ، وبنى الوزير القصر » « 1 » . والحق أن السكاكي لم يزد شيئا عما حققه عبد القاهر في التعريف بقوله : « وحدّه أن كل كلمة أخرجت الحكم المفاد بها عن موضوعه من العقل لضرب من التأول فهو مجاز » « 2 » . وما دام عبد القاهر هو السبّاق لهذا الفن ، وما دام غيره لم يزد عليه شيئا ، فسيكون حديثنا منصبا حول ما أبدعه بالدرجة الأولى : 1 - لقد حقق عبد القاهر في المجاز الحكمي عنده ، والعقلي عنده وعند غيره ، ورأى أن وراء الكناية والاستعارة في البيان مجازا آخر غير المجاز اللغوي ، وهو المجاز الحكمي المستفاد من طريق العقل لدى استقرار الجمل في التركيب ، والنظر في مجموعة المفردات التركيبية للكلام ، وقد فصل القول بهذا في حدود معينة في كتابيه الدلائل والأسرار . يقول في دلائل الأعجاز : « اعلم أن طريق المجاز والاتساع . . . أنك ذكرت الكلمة وأنت لا تريد معناها ، ولكن تريد معنى ما هو ردف له شبيه . فتجوزت بذلك في ذات الكلمة وفي اللفظ نفسه . وإذ قد عرفت ذلك فاعلم أن في الكلام مجازا على غير هذا السبيل . وهو أن يكون التجوز في حكم يجري على الكلمة فقط ، وتكون الكلمة متروكة على ظاهرها ، ويكون معناها مقصودا في نفسه ، ومرادا من غير تورية ولا تعريض . والمثال فيه قولهم : نهارك صائم وليلك قائم ، ونام ليلي ، وتجلى همي ، وقوله تعالى : فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ . . . « 3 » .
--> ( 1 ) السكاكي ، مفتاح العلوم : 208 . ( 2 ) عبد القاهر الجرجاني ، أسرار البلاغة : 356 . ( 3 ) البقرة : 16 .