محمد حسين علي الصغير

53

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

وقد أنكره صاحب الطراز فقال « والمختار أن المجاز لا مدخل له في الأحكام العقلية ، ولا وجه لتسمية المجاز بكونه عقليا لأن ما هذا حاله إنما يتعلق بالأوضاع اللغوية دون الأحكام العقلية » « 1 » . بينما نجد الزركشي ( ت : 794 ه ) يعد المجاز العقلي هو الذي تتكلم به أهل الصنعة فيقول عنه : « وهو أن تستند الكلمة إلى غير ما هي له أصالة لضرب من التأول ، هو الذي يتكلم فيه أهل اللسان » « 2 » . غير أننا نجد القرآن الكريم - وهو أرقى ما يتكلم به أهل اللسان صناعة - حافلا بنوعي المجاز ، لذا فالمجاز بنوعيه العقلي واللغوي سيكون محور الدراسة الآتية . ولما كان المجاز اللغوي ذا فرعين في التقسيم البلاغي ، لأن مجاله رحاب اللغة في مرونة الاستعمال ، وصلاحيتها في الانتقال من معنى إلى معنى مع وجود القرينة الدالة على المعنى الجديد لوجود المناسبة بينه وبينها ، وتوافر الصلة بين المعنى الأولي والثانوي . فإن كانت العلاقة المشابهة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي ، فهو الاستعارة ، وقد عقدنا لها فصلا خاصا ، وإن لم تكن العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجاز هي المشابهة ، فهو المجاز المرسل . أقول لمّا اشتمل المجاز اللغوي على هذين الفرعين وقد خصصنا الاستعارة بفصل خاص ، كان الحديث عنه مختصا بالمجاز المرسل ، وسيكون الحديث مقتصرا عليه بعد استيفاء مبحث المجاز العقلي بإذن اللّه . المجاز العقلي وهو المجاز الذي نتوصل إليه بحكم العقل ، فيثير الإحساس بطريقة استعماله ، ويهز الشعور بنتائج إرادته ، فالألفاظ لم تنقل عن أصلها اللغوي ، فدلالتها على ذاتها بذاتها ، والكلمات لم تجتز وضعها في الأصل

--> ( 1 ) العلوي ، الطراز : 1 / 25 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان : 2 / 256 .