محمد حسين علي الصغير
5
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم اشتهر قدماء المصريين بالفن الفرعوني ، واليونانيين بالفلسفة الإغريقية ، والعرب بالبيان في فصائله المتشعبة . تلك حضارات عريقة ، تلاشى بعضها ، وتماسك البعض الآخر ، وبقي البيان العربي راسخا ثابتا متطاولا ، وظل عطاؤه شامخا فتيا متعاليا . فالشعر والنثر جهد بشري متكامل البنية في الجاهلية والإسلام ، والقرآن وحي سماوي يتحدى البشرية في إعجازه وكوكبة مراميه الفنية فصاحة وبلاغة وبراعة . ويظل هذان العاملان : القرآن الكريم والأدب العربي رافدين تنهل منهما العربية معينها الذي لا ينضب ، وتستهدي شعاعها الذي لا يخبو ، ولا مقايسة بين الأمرين في جهة الصدور ، ولا مقارنة بين النصين في الأصالة والموضوعية والغناء ، فبينهما بون شاسع تحتمه طبيعة ما يحسنه الناس ، وطبيعة ما أنزله اللّه تعالى من ذكر وكتاب ، إلا أن البيان العربي يظل متطاولا بهما وإن اختلفت المصادر ، وتفاوتت القيمة الفنية ، ولكن مما لا شك فيه أن البيان العربي مدين بأصالته وعمقه للقرآن الكريم ، وحسبنا أن تتفتق الدراسات القرآنية عن مناهج البلاغة العربية جملة وتفضيلا ، وتدور حول فكرة الإعجاز القرآني في مناحي النقد والبيان والأدب والمقارنة ، والنص القرآني بعد هذا وذاك أرقى نص أدبي وبلاغي في لغة العرب ، فلم لا يكون الأساس فيما ابتدع العرب من علوم البلاغة ، وهو كذلك فيما قرره علماء العرب أنفسهم حينما جعلوه مقياسا للتطبيق ، وميزانا للمحاكمة ، ومعيارا للمفاضلة بين نص ونص ، وقول وقول ، وفن وفن ، وما هذه الدراسات البلاغية المتعددة إلا ألق فيضه ، ولمسة بهائه ، ونقطة انطلاقه ، فهو تنزيل من رب العالمين وكفى .