محمد حسين علي الصغير

32

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

والالتفات والسجع والفواصل مما لا كثير عناء باستخلاصه والوصول إليه بيسر ، ولكن دائرة الجهد متحكمة في استجلاء المجازات وطرق استعمالها والتشبيه ووجوه الشبه ، والاستعارة وضروب أصنافها ، والكناية ومجالات إيرادها . إذن لا شوائب في لغة القرآن وألفاظه ، ولا صعوبة في لمس جماله وتحسسه ، فلا بحث مع ذلك للغرابة والتنافر والتعقيد ، ولا كبير جهد بالوصول إلى أمثلة البديع . والإسناد والفصل والوصل ، والتقديم والتأخير ، والتعريف والتنكير ، والحذف والتقدير وما شاكل ذلك مذاهب قتلها النحاة بحثا وتمحيصا ، فلم يبق إلا البيان المتمثّل في المجاز والتشبيه والاستعارة والكناية ، وهذا هو البلاغة بعينها ، وتلك هي الأصول الكبرى ، والينابيع الأولى لفن القول ، فيها يتقوم الجهد البلاغي الموروث ، وعليها تدور رحى البلاغة العربية . البيان في طور التجديد البلاغي إن العربي اليوم بحاجة إلى إضاءة الدرس البلاغي على وفق متطلبات التطور الحضاري ، فالعصر يسير بسرعة ضمن حسابات دقيقة في الفروض والنتائج ، وهذه الحسابات إن تيسرت في فرع من فروع الإنسانيات فلا غرابة أن تشمل فرعا آخر أكثر تماسا بحياة الأمة وجذور تحررها ، وهذا ما نجده ضرورة تطبيقية بالنسبة للبلاغة التي تعنى بتعليم الإنسان صناعة الكلام ، وإذا كان الكلام صناعة ، فعلم البيان أساس هذه الصناعة ، لأنه المعني بصور الفن القولي التي تعتمد التشبيه والاستعارة والكناية وضروب المجاز أركانا يستند إليها في هذا التعليم . ومهمة هذا التعليم استخراج الكلام الجيد ، فلتكن عملية استخراج الكلام الجيد والعناية به مرنة ميسرة خالية من كثرة التقسيمات والتعقيدات . وفي هذا الضوء ، ومن أجل حصر الأبعاد البيانية ، فما كان فصيحا من الكلام فلا مانع أن يكون بليغا أيضا ، دون الخوض في التفصيلات المملة ، وقديما قال أبو هلال العسكري ( ت : 395 ه ) « الفصاحة والبلاغة ترجعان إلى معنى واحد ، وإن اختلف أصلاهما ، لأن كل واحد منهما إنما