محمد حسين علي الصغير

24

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

من ملزوم إلى لازم ، وجهة الانتقال من لازم إلى ملزوم . . وإذا ظهر أن مرجع علم البيان هاتان الجهتان ، علمت انصباب علم البيان إلى التعرض للمجاز والكناية ، فإن المجاز ينتقل فيه من الملزوم إلى اللازم ، وإن الكناية ينتقل فيها من اللازم إلى الملزوم » « 1 » . ولما كانت الدلالات بحسب نظره ، إما عقلية : وهي ما تشمل المجاز والكناية . وإما وضعية وهي التي أخرج بها التشبيه من دائرة علم البيان ، لأن الوضعية لا يمكن بها إيراد المعنى الواحد بطرق مختلفة ، بخلاف العقلية التي تتضح بها الدلالة ، وبهذه الطريقة الملتوية تم له إخراج التشبيه من علم البيان ، ثم كرّ على الموضوع فأدخل التشبيه فيه بطريقة ملتوية أخرى فقال : « ثم إن المجاز - أعني الاستعارة - من حيث أنها من فروع التشبيه لا تتحقق بمجرد حصول الانتقال من الملزوم إلى اللازم ، بل لا بدّ فيها من تقدمة تشبيه شيء بذلك الملزوم في لازم له تستدعي تقديم التعرض للتشبيه فلا بدّ من أن نأخذه أصلا ثالثا ونقدمه ، فهو الذي إذا مهرت فيه ملكت زمام التدرب في فنون السحر البياني » « 2 » . وقد خلص من هذا التعقيد في العبارة والثرثرة في الاستدلال إلى استقرار علم البيان عنده في أصلين وأصل ثالث . . . فكان البيان يشمل المجاز والكناية والتشبيه ، وليت شعري لم التجأ السكاكي إلى هذه الطريقة من الالتواء في إخراج التشبيه من علم البيان وإدخاله فيه حتى استراح إلى هذه النتيجة وهذا التقرير ، فلدى التطبيق نجده قد قدم حديثه على التشبيه ثم المجاز ثم الكناية ، فكان ينقض ما أبرم ، ويبرم ما أنقض . وما إن جاء الخطيب القزويني ( ت : 739 ه ) حتى أعاد لنا تعريف السكاكي لعلم البيان ، وسلك نهجه في الدلالات وتقسيماتها المنطقية ، وما كان إلا ناقلا ، بأدب ، وناسخا بتصرف ، فعرف البيان بقوله :

--> ( 1 ) السكاكي ، مفتاح العلوم : 157 . ( 2 ) المصدر نفسه : 157 .