محمد حسين علي الصغير
224
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
يتقدم حصول اللذة به ألم ، وإذا حصل الشعور به من وجه دون وجه ، تشوقت النفس إلى العلم بالمجهول ، فيحصل لها بسبب المعلوم لذة ، وبسبب حرمانها عن الباقي ألم ، ثم إذا حصل لها العلم به : حصلت لها لذة أخرى واللذة عقب الألم أقوى من اللذة التي لم يتقدمها ألم » « 1 » فهو يتحدث عن الأثر النفسي للإطناب ، والشعور باللذة بعد الألم ، وأين هذا من معاني النحو ؟ نعم قد تفيد مباحث الإطناب التنبيه على ذكر الخاص بعد العام وذلك للتأكيد على الأمر ، وبيان فضله وأولويته وسابقته ، وهو تعبير بلاغي ذو وقع موسيقي وتفصيل إيضاحي كما في قوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى « 2 » . فقد ذكر الصلاة الوسطى وهي خاص بالنسبة لعموم الصلوات ، وذلك لبيان أهميتها في التشريع ، ومنزلتها من بين الصلوات ، وهذا يرجع إلى الإفاضة في دلالة الألفاظ البيانية لا إلى النحو . وموارد الإطناب في القرآن عديدة تتقاطر بحسب الحاجة إليها في بيان المشكل ، واستقراء المجهول ، وكشف الغيب ، وهي أكثر من أن تحصر ، وكان مما أطنب في ذكره القرآن ، وأفاض فيه بكثير من التفصيل حال المنافقين ، نظرا للدور المهم الذي لعبه هؤلاء في التصدي للإسلام والتعدي على المسلمين ، وبغية أن يحذرهم المؤمنون في كل طور ودور بكل زمان ومكان جاء تمثيلهم بآيات البقرة ( 17 - 20 ) بكثير من التفصيل لأحوالهم النفسية ، وواقعهم المرير ، ذلك لتصوير الحالة المتأرجحة لهم بين الغلاف الحاجز المبطن والإرهاب المستعار ، وبين الظاهر المستقيم والوجه الصالح الذي يتراءون به ، وكشف هذا المناخ المكثف يحتاج إلى وصف شاف وبيان مستفيض « 3 » . ولست بحاجة في هذا البيان الذي طرحه القرآن في صفة المنافقين وأعمالهم ، ومصائرهم ، إلا للذائقة الفنية التي تميز بين هذه الأوصاف
--> ( 1 ) القزويني ، الإيضاح : 301 . ( 2 ) البقرة : 238 . ( 3 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية : 219 .