محمد حسين علي الصغير

219

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

ولا يعني هذا التأكيد على الإيجاز ، فرز الإطناب من دائرة البلاغة أو ذم المساواة ، بل قد يراد الإطناب في مواضع التحذير والوعد والوعيد كما صنع القرآن الكريم في تحذير المنافقين ، وأهل الكتاب والمسلمين أنفسهم في فصول مسهبة من القرآن ، حذرهم من أن يصيبهم ما أصاب الأمم السالفة والأقوام البائدة من عذاب الاستئصال . وكما وعد المتقين بالجنات وأطنب في صفاتها ونعيمها ، وظلالها وأشجارها وأنهارها ، واستقرارها ودوامها ، وأكلها وشرابها . . . إلخ وكما أوعد المجرمين بالنار ووصف سمومها ، وحميمها وغسّاقها ، وشجرها وماءها ، وأهوالها وأخطارها ، بما يعد إطنابا في المواضع التي فيها الإطناب أليق . وكذلك ساوى بين الألفاظ والمعاني بمختلف الصيغ والتراكيب البيانية ، وهذا هو الأصل المتوافر لكلام اللّه تعالى في كتابه المجيد ، إيجازا في موضع الإيجاز ، وإطنابا بمراصد الإطناب ، ومساواة بين الأمرين . إذن فكما تحتاج البلاغة في الكلام إلى الإيجاز فإنها تحتاج إلى الإطناب ، فليس الإطناب من منافيات البلاغة ، ولا الإيجاز - وحده - أساس البلاغة ، فوضع الألفاظ في موضعها المناسب من البيان بحسب مقتضيات الخطاب هو البلاغة سواء أكان في تلك الألفاظ تطويل ليعود الكلام مطنبا أم تقليل ليكون الكلام موجزا ، فكما يحتاج البليغ في تأدية المعنى إلى لفظ موجز ، فهو بحاجة إلى تأديته بألفاظ متعددة ليبلغ بذلك الكلام كماله على الوجه المراد . وكما يحتاج البليغ إلى الإيجاز في موضع ، وإلى الإطناب في موضع فإنه يحتاج إلى المساواة في الكلام بقصر الألفاظ على المعاني ، بل بتساوي اللفظ لمعناه ، بعيدا عن الإيجاز المخل ، أو الإطناب الممل كما يقال . قال أبو هلال العسكري ( ت : 395 ه ) : « والقول القصد أن الإيجاز والإطناب يحتاج إليهما في جميع الكلام وكل نوع منه ، ولكل واحد منهما موضع ، فالحاجة إلى الإيجاز في موضعه كالحاجة إلى الإطناب في مكانه ، فما أزال التدبير في ذلك عن جهته ،