محمد حسين علي الصغير
216
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ ( 17 ) وَإِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ ( 18 ) وَإِلَى الْجِبالِ كَيْفَ نُصِبَتْ ( 19 ) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ ( 20 ) « 1 » . وبالنسبة إلى أهل الوبر فإن جلّ انتفاعهم في معاشهم من الإبل ، فتكون عنايتهم مصروفة إليها ، وانتفاعهم منها لا يحصل إلا بأن ترعى وتشرب وذلك بنزول المطر ، فيكثر تقلب وجوههم في السماء . ثم لا بدّ لهم من مأوى يأويهم ، ويحصن يتحصنون به ، ولا شيء لهم في ذلك كالجبال ، ثم لا غنى لهم لتعذر طول مكثهم في منزل عن التنقل من أرض إلى سواها ، فإذا فتش البدوي في خياله وجد صورة هذه الأشياء حاضرة فيه على الترتيب المذكور » « 2 » . وما كان هذا شأنه فإن الانقطاع لا يلائم مقتضياته البيانية والانفصال لا يستقيم له ، فكان الاتصال سبيله فنا بلاغيا ، لا قاعدة نحوية . ومن هنا ندرك ما استنبطه عبد القاهر في هذا المجال ، إذ قسم الجمل على ثلاثة أضرب : جملة لا يستقيم معها عطف ، وجملة حقها العطف ، وجملة حقها ترك العطف « وترك العطف يكون : إما للاتصال إلى الغاية ، أو الانفصال إلى الغاية والعطف لما هو واسطة بين الأمرين ، وكان له حال بين حالين » « 3 » . وأما الإيجاز والإطناب فهما مبحثان بلاغيان من خلال التماس روافدهما البيانية ، لأن أثرهما الخارجي ينصب حول الشكل في النص الأدبي ، في تأديته للمعنى المراد ، إذ يدور حول زيادة الألفاظ في الإطناب ، واختزالها في الإيجاز ، وهذان المدركان بطبيعتهما الاستعمالية بعيدان عن معاني الاعراب . فالإيجاز كما حدده الرماني ( ت : 386 ه ) : « تقليل الكلام من غير إخلال بالمعنى ، وإذا كان المعنى يمكن أن يعبر عنه بألفاظ كثيرة ويمكن أن
--> ( 1 ) الغاشية : 17 - 20 . ( 2 ) القزويني ، الإيضاح : 266 . ( 3 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 163 .