محمد حسين علي الصغير
214
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
غامض ، ودقيق صعب ، إلا وعلم هذا الباب أغمض وأخفى وأدق وأصعب وقد قنع الناس فيه بأن يقولوا إذا رأوا جملة قد ترك فيها العطف : أن الكلام قد استؤنف وقطع عما قبله لا تطلب أنفسهم منه زيادة على ذلك ولقد غفلوا غفلة شديدة » « 1 » . هناك إذن - ما هو أهم من هذا ، وهو أن الكلام العربي حينما يصاغ ويأخذ موقعه في العبارات والجمل ، فإننا نخلص فيه إلى بيان حال من الأحوال ، أو ريادة حقيقة من الحقائق ، وذلك مما لا يتأتى بالاستقلال في المعاني التي يراد طرحها ، وهذه المعاني على سبيل من الذائقة أكثر مما هو علامة إعرابية ، أو مسألة شكلية تتعلق بالمؤشرات الخارجية ، وموقع الوصل ومقتضى الفصل هو الذي يحقق ذلك ، فأنى نتوصل إلى هذا الموقع وذلك المقتضى ، ومتى يستعملان ليكسبا النص سلامة وعذوبة وذائقة لا نلتمسها من خلال النحو وتفصيلاته بل من خلال التركيب الفني وتناسقه ، فإن شئت رددته إلى معاني النحو ، وإن شئت رددته إلى مدارج البلاغة ، ولكنه بالبلاغة أوصل ، وإلى معانيها أنسب ، ونقول ببساطة : إن كان هنالك جامع بين الأمرين ، فالوصل هو المتعين ، وإن لم يكن هناك جامع بينهما فالفصل هو المتعين ، هذا هو الأغلب ، وقد يكون العكس في بعض الحالات ، واكتشاف هذا الجامع من مهمة البلاغي لا النحوي وإن كان الأمران متصلين تماما أو منفصلين تماما فالفصل هو المرجح وإن كانا منزلة بين منزلتين ، أو حالا بين حالين فالعطف سبيلهما . مهمة البلاغي هنا توحيد النص فيما يناسب مقتضى الحال ومهمة النحوي هناك إشراكهما في الحكم ، والأول يقتضي أعمال الفكر وتمحض الفطرة ، والثاني استيعاب أحكام الاعراب ، والفضيلة للأول استنادا إلى الخبرة والذائقة ، ولا مزية للثاني لأنه مبني على قواعد ثابتة . خذ مثالا رائعا للوصل في سورة التكوير : « بسم اللّه الرحمن الرحيم »
--> ( 1 ) الجرجاني ، دلائل الإعجاز : 155 .