محمد حسين علي الصغير

172

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

القول بعيدا عن التعقيد المعنوي واللفظي ، والتنافر في الكلمات والمضامين إذ لا قيمة لأي نص مغلق أو تعبير مشكل . المؤشر الثاني : وصفه عليه السلام لأداة البليغ بقوله : « ما رأيت بليغا قط إلا وله في القول إيجاز ، وفي المعاني إطالة » « 1 » . وهو بهذا يقسم الكلام على ألفاظ وعلى معان ، ويعتبرهما قسيمين متقابلين ومتعادلين بوقت واحد ، فهما متقابلان لأنهما أداة الكلام وقوامه ، أي ركناه ، وهما متعادلان ، لأن الكلام لا ينتظم إلا بهما مجتمعين ، وهو ما أدركه بعد حين ابن رشيق القيرواني ( ت : 456 ه ) حينما قال : « اللفظ جسم ، وروحه المعنى ، وارتباطه كارتباط الروح بالجسم ، يضعف بضعفه ، ويقوى بقوته » « 2 » . أضف إلى ما تقدم اعتبار الإمام ؛ الإيجاز أصل البلاغة وهو رأي يذهب إليه جملة من البلاغيين في عصور لاحقة « 3 » . المؤشر الثالث ، قوله عليه السلام : « لولا أن الكلام يعاد لنفد » « 4 » ، ومراده كما يفهم أن البيان ذو كلمات واحدة في اللغة الواحدة ولكن هذه الكلمات تتمايز في التركيب ، وتتفاوت في التنظيم الجملي ، ويعبر عنها كل أحد بما تسيغه ذائقته البلاغية ، وإلا لضاقت اللغة عن المراد ، وهو ما عبر عنه البيانيون بإيراد المعنى الواحد بصور مختلفة ، وهو علم البيان . وهناك أشتات متفرقة لتعريف البلاغة عند الأمم سردها أبو عثمان الجاحظ ( ت : 255 ه ) « 5 » . وأما عند العرب ، فقد نقل عنهم النويري ( ت : 733 ه ) أنها « ما فهمته العامة ورضيته الخاصة » « 6 » .

--> ( 1 ) المصدر نفسه : 180 . ( 2 ) ابن رشيق ، العمدة في محاسن الشعر وآدابه ونقده : 1 / 124 . ( 3 ) ظ : الجاحظ ، البيان والتبيين : 1 / 87 . ( 4 ) أبو هلال العسكري ، كتاب الصناعتين : 202 . ( 5 ) الجاحظ ، البيان والتبيين : 1 / 87 . ( 6 ) النويري ، نهاية الأرب : 7 / 10 .