محمد حسين علي الصغير
155
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
فهذه الليالي المتشابهة في الطول ، المتشابهة في أنها تبدي له البدر الذي لا يريده ، وتخفي عليه البدر الآخر الذي يهواه كل الهوى ، ويطمح إليه كل الطموح ، ولا يجد إليه مع ذلك سبيلا ، هذه الليالي المتشابهة التي أمضته وثقلت عليه لتشابهها ، لم لا تكون رمزا لهذه الحياة المتشابهة التي تمض وتثقل بتشابهها ؟ . . لم لا يكون هذا البدر شيئا آخر غير هذه الفتاة الأعرابية التي تحميها الأسنة والرماح ؟ لم لا يكون البدر رمزا لهذه الآمال النائية ، وهذه الهموم البعيدة التي تاقت إليها نفس الشاعر منذ أن أحس الحياة ، وقدر على النشاط ، والتي أنفق ما أنفق من حياته دون أن يبلغها أو يدنو منها » « 1 » . وقد يبدو هذا التفسير الكاشف عن دقائق الأمور غريبا . ولكن النص - دون أدنى شك - يتحمل هذا التفسير ، ونفسية المتنبي تتم عن هذا الرمز ، إشارة كما تقدم ، وتصريحا كما في قوله مخاطبا كافورا الإخشيدي : « 2 » وغير كثير أن يزورك راجل * فيرجع ملكا للعراقين واليا فقد تهب الجيش الذي جاء غازيا * لسائلك الفرد الذي جاء عافيا وهو يضرب على هذا الوتر ويلوح إليه مرارا كما في قوله في خطاب كافور الإخشيدي أيضا : « 3 » أبا المسك هل في الكأس فضل أناله * فإني أغني منذ حين وتشرب وهبت على مقدار كف زماننا * ونفسي على مقدار كفك تطلب إذا لم تنط بي ضيعة أو ولاية * فجودك يكسوني ، وشغلك يسلب فإذا أضفنا إلى هذين شخصية المفسر نفسه ، كالدكتور طه حسين حصلت لنا القناعة التامة وتوصلنا إلى مدلول الصورة الرمزية التي حاولها أبو الطيب المتنبي : ومن خلال فهمنا للرمز بالإضافة إلى ما تقدم يلحظ أن اللغة الرمزية
--> ( 1 ) طه حسين ، مع المتنبي : 444 - 446 . ( 2 ) المتنبي ، الديوان : 4 / 427 . ( 3 ) نفس المصدر : 1 / 306 - 307 .