محمد حسين علي الصغير
129
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
على ذكر الطرفين ، كما في الآية ، فقد عد الآلوسي ( ت : 1270 ه ) فيها ضربا « من التشبيه البليغ عند المحققين لذكر الطرفين حكما ، وذكرهما قصدا : حكما أو استعارة - مانع من الاستعارة عندهم » « 1 » . وهذا رد على من زعم أن في الآية استعارة ، وهذا التقرير وارد لأمرين : الأول : إن الحديث عن المنافقين ، وهم يملكون أداة السمع ولكن لا يفقهون قولا ، ويحملون آلة النطق وهي اللسان ، ولكن لا ينبسون ببنت شفة ، وهم يتمتعون بوجود العين ، ولكن لا يبصرون شيئا ، إذ لم يسخروا هذه الجوارح في طرقها المشروعة بوصفها وسائل للهداية ، ودلائل إلى الحق ، لهذا وصفوا بالصم والخرس والعمى ، تشبيها بمن لا يمتلك هذه الجوارح ، فهو أصم حقيقة ، وأبكم واقعا ، وأعمى تشخيصا ، ولما اشتمل البيان هنا على المشبه والمشبه به عاد تشبيها بليغا لا استعارة . الثاني : لو قيل أن في الآية استعارة لوجب أن يكون المستعار له غير مذكور ، ولما كان المستعار له مذكورا وهو ( المنافقون ) بأعيانهم حملت الآية على التشبيه البليغ ، إلا أن يقال أن المستعار له حال المنافقين لا أشخاصهم فتكون حينئذ الاستعارة تبعية تصريحية « 2 » . « والاستعارة إنما تطلق حيث يطوي ذكر المستعار له ، ويجعل الكلام خلوا عنه صالحا لأن يراد به المنقول عنه والمنقول إليه » « 3 » . ولما لم يكن هناك نقل ولا طي عن ذكر المستعار له فهو موجود ، فلا وجه لتسمية ذلك بالاستعارة ، بل هو بالتشبيه البليغ أليق وأولى . وليس ما يجري على سنن الاستعارة من طي ذكر المشبه من الاستعارة ، بل يرد إلى التشبيه عادة ، ففي قوله تعالى : أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ فِيهِ ظُلُماتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ . . . « 4 » .
--> ( 1 ) الآلوسي ، روح المعاني : 1 / 169 . ( 2 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 212 . ( 3 ) الزمخشري ، الكشاف : 1 / 77 . ( 4 ) البقرة : 19 .