محمد حسين علي الصغير

127

أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم

أحسب ، ومرد ذلك يعود إلى أن ممارسة القرآن الكريم الفنية ذات مهمة إيضاحية ، والإيضاح إنما يتم بتمثيل المجرد إلى الحاسة ، أما تمثيل العقلي بالعقلي فهو انتقال عن الأصل الموضوع له التصوير الاستعاري ، ومع هذا فإننا لا نفقد هذا النوع من الشبه الاستعاري في القرآن الكريم ، ولعل أبرز مصاديقه هو تلك الآيات الكثيرة التي تتحدث عن الإيمان والكفر مقترنة بالموت والحياة ، وكلاهما عقلي ، ومن ذلك قوله تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ . . . ( 122 ) « 1 » إذا استعار للإيمان الحياة ، وللكفر الموت ، والإيمان أمر عقلي ، والحياة أمر عقلي ، والكفر جانب مثالي ، والموت معنى مثالي ، فهما استعارة عقلي لعقلي من هذا الوجه فحسب ، على أن الآية قد أوضحت هذين الأمرين العقليين ، بما استعارت لمعرفتهما من أمر واقعي محسوس وهو النور للأول ، والظلمات للثاني ، وكأن تذييل هذه الاستعارة في هذا الكشف والإيضاح هو استخراج عنصرين من عناصر الطبيعة وهما الظلمات والنور ، لإمكان تطبيقهما على حالتي الحياة والموت في الإيمان والكفر ، أو الهدى والضلال ، أو العلم والجهل ، وجميعها أمور معنوية عقلية . خفاء الشبه الاستعاري : وكما ظهر في الأصول الثلاثة المتقدمة وجه الشبه الاستعاري ، فقد لا يظهر في الاستعارة وجه الشبه ، ويكون إلى الخفاء أقرب ، وعن الإدراك أبعد ، فيعدونه من أحسن أنواع الاستعارة ، وقد يبدو وجه الشبه كما تقدم - إلا أن خفاءه أوقع عند البلاغيين . وقد عبر عن هذه الظاهرة العلوي ( ت : 749 ه ) في حديثه عن التمثيل ، وقد نوافقه في الفكرة ، ولكننا نناقشه في النماذج التي اعتمدها أساسا لفكرته ، قال : « ثم إنه [ يعني التمثيل ] قد يتفاوت في الحسن لأنه يستعمل على وجهين :

--> ( 1 ) الأنعام : 122 .