محمد حسين علي الصغير
122
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
عن نقاء بلاغي سليم في ترصد مصادر الشبه في الاستعارة ، والتي لا تعدو أن تكون وجها من هذه الوجوه : حسيا أخذ لمعنى حسي ، أو حسيا أخذ لمعنى عقلي ، أو عقليا أخذ لمعنى عقلي . ونستدرك عليه العقلي الذي أخذ لمعنى حسي ، ولعل السبب في إهماله - عنده - يرجع إلى أن حديثه منصب على ما يدرك بالنظرة العقلية فحسب ، بدليل حديثه عن الأصل الثاني وهو آخذ الشبه الحسي إلى مثله ، فإنه يعقب عليه بقوله : « إلا أن الشبه مع ذلك عقلي » « 1 » ، أو لأن الاستدلال على المعنى الحسي بأمر عقلي خارج عن الأصل ، لأن المحسوس أصل ، والمعقول فرع ، فكأنه استدلال على الأصل بالفرع ، أو لأن مهمة الاستعارة تقريب البعيد لا تبعيد القريب ، والاستدلال على المحسوس بالمعقول من هذا الباب ، لأن المحسوس أقرب فهما من المعقول الذي يكد الفكر فيه ويكدح ، وبوصفه بديهيا لا يحتاج إلى إثبات ، وهو نادر الوقوع عادة فأهمل « 2 » . ولما كان حديثنا عن الاستعارة في تقويم الفن القولي لا يعدو هذه الوجوه ، فقد رجحنا أن تكون الأصول العامة في عناصر الشبه الاستعاري التي أوردها عبد القاهر هي الضوء الكاشف عن البعد الفني في الاستعارة لأن فيها اتجاها إلى معرفة روح الاستعارة وجوهرها ، وما هي عليه من التخييل والتمثيل ، وهذا ما يهمنا رصده في استعارات القرآن الكريم ، بوصفها عنصرا أصيلا من عناصر الصورة الفنية التي أرسى عليها قواعده . وقد لمست في الاستعمال الاستعاري للقرآن الكريم الميل إلى أخذ الشبه من الشيء المحسوس إلى المعقول في الأغلب ، ومن ثم وجدت النماذج تميل إلى أخذ الشبه من المحسوس إلى المحسوس ، وأخيرا من المعقول إلى المعقول ، وهذه هي الأصول الثلاثة التي يستنبط منها وجه التشبيه الاستعاري في القرآن الكريم ، ونماذج هذه الأصول كما يأتي ؟
--> ( 1 ) المصدر نفسه : والصفحة . ( 2 ) ظ : المؤلف ، الصورة الفنية في المثل القرآني : 201 .