محمد حسين علي الصغير
116
أصول البيان العربي في ضوء القرآن الكريم
وتأسيسا على ما سبق يعد أبو هلال العسكري وعبد القاهر الجرجاني من أوائل من أرسوا دعائم هذا المصطلح فنيا . قيمة التصوير الاستعاري الاستعارة فن قولي ، قد يجمع بين المتخالفين ، ويوفق بين الأضداد ، ويكشف عن إيحائية جديدة في التعبير ، لا يحس بها السامع في الاستعمال الحقيقي ، وهي من أبرز صور البيان العربي ، وأروع مشاهد التصوير الفني ، جلى فيها القرآن بكثير من مواطنه ، وتناولها الحديث في جملة من شذراته ، وتداولها الشعر العربي في أوابده وشوارده ، وما عسى أن يعرض الباحث لقيمة التصوير بالاستعارة ، وخصائص استعمالاتها البلاغية ، بعد أن وشجها عبد القاهر الجرجاني بحلة وصف لا تبلى ، وقلدها بوسام شرف لا يفنى ، وتوجها بمزايا بيان لا تنبو ، ووهجها بلآلئ كمال لا تخبو ، فقال : « وهي أمدّ ميدانا ، وأشد افتنانا ، وأكثر جريانا ، وأعجب حسنا وإحسانا ، وأوسع سعة وأبعد غورا ، وأذهب نجدا في الصناعة وغورا ، من أن تجمع شعبها وشعوبها ، وتحصر فنونها وضروبها ، نعم وأسحر سحرا ، وأملأ بكل ما يملأ صدرا ، ويمتع عقلا ، ويؤنس نفسا ، ويوفر أنسا ، وأهدى إلى أن تهدى إليك أبدا عذارى ، قد تخير لها الجمال ، وعني بها الكمال ، وأن تخرج لك من بحرها جواهر ، ان باهتها الجواهر مدت في الشرف والفضيلة باعا لا يقصر ، وأبدت من الأوصاف الجليلة محاسن لا تنكر ، وردت تلك بصفرة الخجل ، ووكلتها إلى نسبتها إلى الحجر ، وأن تثير من معدنها تبرا لم تر مثله ، ثم تصوغ فيها صياغات تعطل الحلي ، وتريك الحلي الحقيقي ، وأن تأتيك على الجملة بعقائل يأنس إليها الدين والدنيا ، وفضائل لها من الشرف الرتبة العليا ، وهي أجل من أن تأتي الصفة على حقيقة حالها ، وتستوفي جملة جمالها . ومن الفضيلة الجامعة فيها أنها تبرز هذا البيان أبدا في صورة مستجدة تزيد قدره نبلا ، وتوجب له بعد الفضل فضلا ، وإنك لتجد اللفظة الواحدة قد اكتسبت فيها فوائد حتى تراها مكررة في مواضع ولها في كل واحد من تلك المواضع شأن مفرد ، وشرف منفرد ، وفضيلة مرموقة ، وخلابة مرموقة ،