العلامة المجلسي

407

بحار الأنوار

ومن لا تعلق له بهذا الامر ، وهذا منكر يجب على مثل أمير المؤمنين ( عليه السلام ) دفعه ، ولو كان أمير المؤمنين وطلحة والزبير وفلان وفلان كارهين لكل ما جرى ، لما وقع شئ منه ، ولكانوا متمكنين من دفعه باليد واللسان والسيف . فأما قول السائل وكيف يدعى الاجماع وعثمان وشيعته وأقاربه خارجون منه ؟ فطريف لأنه إن لم يكن في هذا الاجماع إلا خروج عثمان عنه ، فبإزائه خروج سعد بن عبادة وولده وأهله من الاجماع على إمامة أبي بكر ، ممن يقول خصومنا : إنا لا نعتد بهم إذا كان في مقابلته جميع الأمة ، فأما من كان معه في الدار ، فلم يكن معه من أهله إلا ظاهر الفسق ، عدو الله تعالى ، كمروان بن الحكم وذويه ممن لا يعتبر بخروجه عن الاجماع لارتفاع الشبهة في أمره أو عبيد أوباش طغام لا يفرقون بين الحق والباطل ، ولا يكون خلاف مثلهم قادحا في الاجماع ، وإذا بلغنا في هذا الباب إلى أن لا نجد منكرا من جميع الأمة إلا عبيد عثمان والنفر من أقاربه الذين حصروا في الدار ، فقد سهلت القضية ، ولم يبق فيها شبهة . وليس لاحد أن يقول إن هذا طريق إلى ابطال الاجماع في كل موضع ، وذلك أنا قد بينا أن الامر على خلاف ما ظنوه ، وأن الاجماع يثبت ويصح بطرق صحيحة ليست موجودة فيما ادعوه ولا طائل في إعادة ما مضى ( 1 ) . انتهى ملخص تلخيصه قدس سره ، وكلام أصحابنا في هذا الباب كثير لا يناسب ذكره في هذا الكتاب ، وفيما أوردنا كفاية لأولي الألباب . تكملة إذا عرفت أن ما ادعوه من الاجماع الذي هو عمدة الدليل على إمامة إمامهم لم يثبت بما أوردوه في ذلك من الاخبار ، نرجع ونقول : نثبت بتلك الأخبار التي أوردوها لاثبات ذلك عدم استحقاقهم للإمامة ، بل كفرهم ونفاقهم ( 2 ) ووجوب

--> ( 1 ) الشافي : 403 ، تلخيص الشافي 3 / 101 . ( 2 ) المراد بالكفر هو معناه اللغوي بمعنى اخفاء الحق وكراهة التسليم له ، والا لم يذكر - رضوان الله عليه - بعده النفاق : وأول من جبههم بذلك ابن عباس على ما ذكره الطبري في تاريخه 4 / 223 ، وأورده الشارح الحميدي في شرحه 3 / 107 برواية أخرى واللفظ للأول والزيادات بين العلامتين للثاني ، قال : " بينا عمر بن الخطاب وبعض أصحابه يتذاكرون الشعر ، فقال بعضهم : فلان أشعر ، وقال بعضهم فلان أشعر ، قال : فأقبلت فقال عمر : قد جاءكم أعلم الناس بها ، فقال عمر : من شاعر الشعراء يا ابن عباس ؟ قال : فقلت زهير بن أبي سلمي ، فقال عمر : هلم من شعره ما نستدل به على ما ذكرت ، فقلت : امتدح قوما من بنى عبد الله بن غطفان ، فقال : لو كان يقعد فوق الشمس من كرم * قوم بأولهم أو مجدهم قعدوا قوم أبوهم سنان حين تنسبهم * طابوا وطاب من الأولاد ما ولدوا انس إذا أمنوا جن إذا فزعوا * مرزؤن بها ليل إذا حشدوا محسدون على ما كان من نعم * لا ينزع الله منهم ماله حسدوا فقال عمر : أحسن ! وما أعلم أحدا أولى بهذا الشعر من هذا الحي من بني هاشم لفضل رسول الله وقرابتهم منه ، فقلت : وفقت يا أمير المؤمنين ولم تزل موفقا ، قال : يا ابن عباس ! ما منع قومكم منهم بعد محمد ؟ فكرهت أن أجيبه فقلت : ان لم أكن أدرى فأمير المؤمنين يدريني ، فقال عمر : كرهوا أن يجمعوا لكم النبوة والخلافة ، فتبجحوا على قومكم بجحا بجحا ، فاختارت قريش لأنفسنا فأصابت ووفقت . فقلت : يا أمير المؤمنين - ان تأذن لي في الكلام وتمط عنى الغضب تكلمت ، فقال : تكلم يا ابن عباس ، فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : اختارت قريش لانفسها فأصابت ووفقت [ فان الله تعالى يقول : " وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة " وقد علمت يا أمير المؤمنين أن الله اختار من خلقه لذلك من اختار ] فلو أن قريشا اختارت لانفسها حيث اختار الله عز وجل لها لكان الصواب بيدها غير مردود ولا محسود . وأما قولك : انهم كرهوا أن تكون لنا النبوة والخلافة ، فان الله عز وجل وصف قوما بالكراهية فقال : " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " . [ وأما قولك انا كنا نجحف ، فلو جحفنا بالخلافة لجحفنا بالقرابة ولكنا قوم أخلاقنا مشتقة من خلق رسول الله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) الذي قال الله تعالى : " وانك لعلى خلق عظيم " وقال له : " واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين " ] . فقال عمر : هيهات والله يا ابن عباس ! قد كانت تبلغني عنك أشياء كنت أكره أن أفرك عنها فتزيل منزلتك منى ، فقلت : وما هي يا أمير المؤمنين ؟ فان كانت حقا فما ينبغي أن تزيل منزلتي منك ، وان كانت باطلا فمثلي أماط الباطل عن نفسه . فقال عمر : بلغني أنك تقول إنما صرفوها عنا حسدا وظلما ؟ فقلت : أما قولك يا أمير المؤمنين : ظلما ، فقد تبين للجاهل والحليم [ وأمير المؤمنين يعلم صاحب الحق من هو ] ، وأما قولك : حسدا ، فان إبليس حسد آدم ، فنحن ولده المحسودون . فقال عمر : هيهات ! أبت والله قلوبكم يا بني هاشم الا حسدا [ حقدا ] ما يحول ، وضغثا وغشا ما يزول ، فقلت : مهلا يا أمير المؤمنين ! لا تصف قلوب قوم أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا بالحسد [ بالحقد ] والغش ، فان قلب رسول الله من قلوب بني هاشم [ وأما قولك حقدا فكيف لا يحقد من غصب شيئه ويراه في يد غيره ؟ ] فقال عمر : إليك عنى يا ابن عباس ! فقلت : أفعل ، فلما ذهبت لا قوم استحيى منى فقال : يا ابن عباس مكانك ! فوالله انى لراع لحقك ، محب لما سرك ، فقلت : يا أمير - المؤمنين ان لي عليك حقا وعلى كل مسلم ، فمن حفظه فحظه أصاب ومن أضاعه فحظه أخطأ [ ثم قام فمضى ] فقال عمر لجلسائه : واها لابن عباس ما رأيته لاحا أحدا قط الا خصمه . فكما ترى ، وقد اعترف به عمر ، قد لاحاه وخصمه وجبهه بأنه غاصب لحق أهل البيت ظالم لهم وأنه ما رضى باختيار الله عز وجل حيث اختار بنى عبد المطلب على غيرهم ثم اختار منهم عليا علما هاديا ، بل رد اختيار الله واختار لقريش من اختار . بل جبهه بالكفر حيث استشهد بقوله عز وجل " ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " ومعلوم أن " ذلك " إشارة إلى ما في الآية قبلها " والذين كفروا فتعسا لهم وأضل أعمالهم : ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم " ولعل ابن عباس ذكر الآيتين كملا وأسقطها الرواة .