العلامة المجلسي
403
بحار الأنوار
وأما أقوال أبي ذر - تصريحا وتلويحا - فمعروفة مذكورة وليس لهم أن يقولوا إنه روي عنه تعظيم القوم ومدحهم ، وذلك أن ذلك يمكن إذا سلم حمله على التقية والخوف ، كما قلناه فيما رووه عن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) . ثم يقال للمعتزلة : ما اعتبر تموه من الاجماع في إمامة أبي بكر يلزم عليه القول بامامة معاوية ، لان الناس بعد صلح الحسن ( عليه السلام ) بين نفسين مظهر للرضا ببيعته ، وبين كاف عن النكير ، فيجب أن يكون ذلك دلالة على إمامته ، وهم لا يقولون بها فأما أن يقولوا بذلك أو يتركوا الاعتماد على هذا الضرب من الاستدلال . فان قالوا : إن معاوية لم يصلح للإمامة لما ظهر منه من الفسق نحو استلحاقه زيادا ، وقتله حجرا وشقه العصا في أيام أمير المؤمنين ( عليه السلام ) ومقاتلته إياه ( 1 ) إلى غير ذلك مما لا يحصى كثرة ، فلا يصح والحال هذه أن يدعى الاجماع لان الاجماع إنما يدعى فيما يصح ، فأما ما لا يصح فلا يدعى فيه الاجماع ، ولو ثبت الاجماع على ما قالوه لعلمنا أنه على سبيل القهر كما يقع من الملوك ، على أنه قد صح واشتهر الخلاف في ذلك ، بل ربما كانوا يظهرون الخلاف بحضرته فلا ينكره ، وقد كان الحسن والحسين ( عليهما السلام ) ومحمد بن علي وابن عباس وإخوته وغيرهم من قريش يظهرون ذمه والوقيعة فيه ، فكيف يدعى الاجماع في ذلك ، مع علمنا ضرورة من حال من ذكرناه أنه كان لا يقول بإمامته ولا يدين بها . قيل هذا تعليل للنقص لأنه إذا كان لا يصلح للإمامة وقد وجدنا في الاتفاق عليه والكف عن منازعته ومخالفته ما وجدناه فيمن تقدم ، فيجب إما أن يكون إماما أو أن تكون هذه الطريقة ليست مرضية في تصحيح الاجماع ، وكل شئ يبين به أنه لا يصلح للإمامة يؤكد الالزام ، ويؤيده . وقول السائل : إن الاجماع إنما يدل على ثبوت ما يصح ، صحيح إلا أنه كان يجب أن يبين أن الاجماع لم يقع هيهنا باعتبار يقتضي أن شروطه لم تتكامل ، ولا يرجع - في أنه لم يقع مع تكامل شروطه وأسبابه - إلى أن المجمع عليه .
--> ( 1 ) سيجئ الكلام فيها الاجزاء الآتية انشاء الله تعالى