غانم قدوري الحمد
101
أبحاث في علم التجويد
وكان عبد الوهاب القرطبي ( ت 461 ه ) أكثر تدقيقا وهو يحاول توضيح حقيقة إخفاء النون ، فقال : « وأما الإخفاء فحكم يجب عند اجتماع حرفين أخذا حالا متوسطة . . . وحقيقته السّترة ، لأن المخرج يستتر بالاتصال . فالتشديد إذن إدخال حرف في حرف ، والإظهار هو قطع حرف من حرف ، والإخفاء هو اتصال حرف بحرف ، فبالتشديد يدخل الحرف ويغيب ، وبالقطع يظهر ويبين ، وبالاتصال يخفى ويستتر ، ولهذه العلة لم يكن الإخفاء إلا في حرفي الغنة النون والميم ، لأن الاتصال لا يتأتى إلا فيهما ، لأن الصوت إذا جرى في الخيشوم أمكن اتصال حرفين من غير إظهار ولا تشديد ، ولذلك ينبغي أن يكون النطق بالمخفى بين التخفيف والتشديد ، كما أنه بين الإظهار والإدغام » « 1 » . وقال القرطبي وهو يورد أمثلة الإخفاء : « ومعنى خفائها ما قدمناه من اتصال النون بمخارج هذه الحروف واستتارها بها وزوالها عن طرف اللسان ، وخروج الصوت من الأنف من غير معالجة بالفم . . . » « 2 » . إن اتصال مخرج النون بمخرج الصوت الذي تخفى فيه واستتارها به يعني انتقال معتمد النون في الفم من طرف اللسان واللثة إلى مخرج الصوت الذي يليها ، مع بقاء مجرى النفس من الخيشوم الذي يعبّر عنه علماء التجويد بكلمة ( الغنة ) . إن عبارة علماء التجويد المتأخرين عن الإخفاء غلب عليها التركيز والاختصار ، فقال الشيخ زكريا الأنصاري ( ت 926 ه ) مثلا ، وهو يشرح كلام ابن الجزري عن الإخفاء في مقدمته : « والإخفاء لغة الستر واصطلاحا النطق بحرف بصفة بين الإظهار والإدغام ، عار عن التشديد ، مع بقاء الغنة في الحرف الأول ، ويفارق
--> ( 1 ) الموضح 157 . ( 2 ) الموضح 170 .