السيد علي الفاني الأصفهاني

186

آراء حول القرآن

وقد أخبرنا اللّه بما قصه في ذكر موسى ( ع ) أن يجعل بيته قبلة وهو قوله : وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً « 1 » ، وكان رسول اللّه ( ص ) في أول مبعثه يصلي إلى بيت المقدس جميع أيام مقامه بمكة وبعد هجرته إلى المدينة بأشهر ، فعيرته اليهود وقالوا أنت تابع لقبلتنا فأحزن رسول اللّه ( ص ) ذلك منهم فأنزل اللّه تعالى عليه وهو يقلب وجهه في السماء وينتظر الأمر : قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ . . . لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ « 2 » - يعني اليهود في هذا الموضع - ، ثم أخبرنا اللّه عزّ وجلّ ما العلة التي من أجلها لم يحول قبلته من أول مبعثه فقال تبارك وتعالى : وَما جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْها إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَما كانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ « 3 » فسمى سبحانه الصلاة هاهنا إيمانا ، وهذا دليل واضح على أن كلام الباري سبحانه لا يشبه كلام الخلق كما لا تشبه أفعاله أفعالهم ، ولهذه العلة وأشباهها لا يبلغ أحد كنه معنى حقيقة تفسير كتاب اللّه وتأويله إلا نبيّه ( ص ) وأوصياؤه . ومن الناسخ ما كان مثبتا في التوراة من الفرائض في القصاص ، وهو قوله : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ « 4 » إلى آخر الآية ، فكان الذكر والأنثى والحر والعبد شرعا سواء ، فنسخ اللّه تعالى ما في التوراة بقوله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصاصُ فِي الْقَتْلى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ

--> ( 1 ) سورة يونس ، الآية : 87 . ( 2 ) سورة البقرة ، الآيتان : 144 - 150 . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية : 143 . ( 4 ) سورة المائدة ، الآية : 45 .